سَألوكَ حتى أنهَكوكَ

| د.حورية الديري

بقدر ما يأتي السؤال بالمنفعة والفائدة، حيث يكون فرصة للبحث والاستكشاف وحل الكثير من المشكلات، إلا أنه قد يكون مُنهِكًا في بعض الأحيان، خصوصا إذا ما جاءت الأسئلة في غير مكانها وزمانها، وبخلاف ما تتوافق عليه الأطراف المعنية، فكما تظهر الصعوبة في بلورة الإجابات، إلا أن مهارة السؤال تبدو أصعب من ذلك بكثير، ولم نسمع عن تكريم من يتقن مهارة تقديم الأسئلة بقدر ما تتم مكافأة من يقدم الإجابات الصحيحة في عدة مناسبات. ولأننا نحن البشر لم نعتد التركيز على مهارة طرح الأسئلة، باعتبارها تأتي ضمن مهارة إتقان الكلام، وتسلسل الأفكار، فقد نحتاج في هذا الوقت بعضًا من التركيز للتدرب على “اتيكيت السؤال” وهو الفن الراقي في المناقشة وتقديم الأسئلة، وبإتقانه ينجح أي حوار ونقاش، بدءًا من اختيار التوقيت المناسب والظرف الملائم وطريقة العرض والأسلوب، ومن هنا استحضرت عبارة “سألوك حتى أنهكوكَ” تعبيرًا عن الوضع الذي يكون فيه الإنسان عندما يواجه بعدة أسئلة ملحة تتطلب منه الإجابة. وغالبًا ما تكون هذه المواقف بداية الخلاف والاختلاف، وتعتمد على ردود الفعل والاستجابة، فالبعض يعطي الإجابات على مضض، وهناك من يتحفظ عليها، كما يوجد من يحول الأمر إلى حلبة المصارعة استعدادًا للعراك، ومن المؤسف في الأمر وجود فئات صبورة بدرجة كبيرة تأتي بالمطلوب حتى تصاب بالإنهاك والتعب، بل ربما تدفع ثمن ذلك أضعافًا بسبب سوء الاستغلال للموقف والحدث.. نعم هناك العديد من المواقف المختلفة التي لم نذكرها بالتحليل، ولكن ماذا لو تدربنا على مهارة الحديث والحوار الراقي؟ فهل سنجد من يطرح أسئلة متتالية تضرب في خصوصية الآخرين كي يجني منها مادة للتسلية هنا وهناك؟ وهل بالإمكان أن نعي احترافية النقاش ونتقن فنونه ونبتعد عن إزعاج الآخرين بما قد يؤلمهم فعليًا؟  لذا يبدو أن “اتيكيت السؤال” اليوم وفي عصرنا هذا يتطلب منهجية خاصة، لأنه قد يكون حلاً لأساسيات بناء الحوار الراقي الذي تفتقده بعض النقاشات. إن هذا الشعور المتبادل هو الذي يولد الرأفة وشعور السلام الذي يجعل الإنسان في انسجام وتوافق مع الذات أولاً، كما قد يساعد في تعزيز القدرة على تعميق أواصر الروابط مع الآخرين، لتكون في جو تشاركي آمن من التشنجات الكلامية.