الحرف الناقص

| د.حورية الديري

نبدأ‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬معجم‭ ‬الذاكرة،‭ ‬حيث‭ ‬حالات‭ ‬التذبذب‭ ‬التي‭ ‬نصاب‭ ‬بها‭ ‬أحيانًا‭ ‬ونحن‭ ‬نجول‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬كلمة‭ ‬مناسبة‭ ‬لتكملة‭ ‬جملة‭ ‬نريد‭ ‬بها‭ ‬معنى‭ ‬محددا،‭ ‬ويا‭ ‬لهول‭ ‬الموقف‭ ‬حينما‭ ‬نحاول‭ ‬مرة‭ ‬وأخرى‭ ‬دونما‭ ‬فائدة،‭ ‬فنرى‭ ‬حورًا‭ ‬في‭ ‬العين،‭ ‬إحداهما‭ ‬تتبع‭ ‬الأخرى‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬أعلى،‭ ‬نتصفح‭ ‬معها‭ ‬صور‭ ‬الذاكرة‭ ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬تسعفنا،‭ ‬وتكون‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬من‭ ‬أصعب‭ ‬اللحظات‭ ‬التي‭ ‬يبحث‭ ‬خلالها‭ ‬الشخص‭ ‬عن‭ ‬كلمة‭ ‬لاستكمال‭ ‬الجملة،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يجعله‭ ‬في‭ ‬حيرة‭ ‬من‭ ‬أمره‭.‬

النظرة‭ ‬التحليلية‭ ‬لهذا‭ ‬الموقف‭ ‬تحمل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬منظور،‭ ‬ربما‭ ‬لم‭ ‬نتصفح‭ ‬المعجم‭ ‬بطريقة‭ ‬مناسبة‭ ‬حينها‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭ ‬المتاح،‭ ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬برمجته‭ ‬ليكون‭ ‬أسرع‭ ‬وأوضح‭ ‬من‭ ‬ذي‭ ‬قبل‭ ‬لمواكبة‭ ‬الحدث‭ ‬واللحظة،‭ ‬وهذه‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬آنية‭ ‬اللحظة،‭ ‬لأنها‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬وعي‭ ‬وتركيز‭ ‬وتدرب‭ ‬مستمر‭. ‬وبالرجوع‭ ‬إلى‭ ‬الحرف‭ ‬الناقص‭ ‬في‭ ‬الكلمة‭ ‬“ح‭.... ‬ب”‭ ‬فإنني‭ ‬أراها‭ ‬ذات‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬يبحث‭ ‬فيها‭ ‬الشخص‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬متسائلاً‭ ‬عن‭ ‬أسباب‭ ‬عدم‭ ‬الرضا‭ ‬التي‭ ‬تجتاحه‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬حوار،‭ ‬ربما‭ ‬يتطلب‭ ‬الأمر‭ ‬جرعات‭ ‬من‭ ‬التدرب‭ ‬وتكرار‭ ‬المواقف‭ ‬حتى‭ ‬يتقن‭ ‬ذلك،‭ ‬لكن‭ ‬المشكلة‭ ‬قد‭ ‬تتفاقم‭ ‬عند‭ ‬التعلثم‭ ‬والتردد،‭ ‬وقد‭ ‬تولد‭ ‬الشعور‭ ‬بالخيبة‭ ‬والنقص‭. ‬

وها‭ ‬قد‭ ‬قصر‭ ‬الطريق‭ ‬علينا‭ ‬الآن؛‭ ‬إذ‭ ‬وصلنا‭ ‬إلى‭ ‬عدة‭ ‬أمور‭ ‬تتطلبها‭ ‬لعبة‭ ‬الحرف‭ ‬الناقص،‭ ‬أقدمها‭ ‬لكم‭ ‬في‭ ‬صندوق‭ ‬صغير‭ ‬لتساعدنا‭ ‬في‭ ‬تنمية‭ ‬مهارة‭ ‬الحوار،‭ ‬واسمحوا‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬اكتب‭ ‬عبارة‭ ‬“تقبل‭ ‬نفسك”‭ ‬عنوانًا‭ ‬للصندوق‭ ‬الذي‭ ‬يتضمن‭ ‬رموزًا‭ ‬ناقصة‭ ‬تتطلب‭ ‬اجتهادًا‭ ‬من‭ ‬صاحبها‭ ‬للبرهنة‭ ‬عليها،‭ ‬واستكمالها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عدة‭ ‬أمور‭ ‬أراها‭ ‬ضرورية‭ ‬أهمها‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الشخص‭ ‬صديقًا‭ ‬لنفسه‭ ‬لطيفًا‭ ‬معها‭ ‬يقدر‭ ‬إنجازاته‭ ‬ويعرف‭ ‬مميزاته،‭ ‬ويحيط‭ ‬نفسه‭ ‬بكل‭ ‬إيجابي،‭ ‬ويعمل‭ ‬على‭ ‬تنمية‭ ‬وعيه‭ ‬مع‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الذكاء‭ ‬العاطفي‭.‬

كل‭ ‬ذلك‭ ‬يجعل‭ ‬الشخص‭ ‬يفكر‭ ‬بسلاسة‭ ‬تامة‭ ‬ويساعده‭ ‬على‭ ‬فلترة‭ ‬العقل‭ ‬باستمرار‭. ‬هنا‭ ‬يتنامى‭ ‬شعور‭ ‬الشخص‭ ‬بقدراته‭ ‬وإمكانياته،‭ ‬وتزيد‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬الإنجاز‭ ‬والتفوق‭ ‬المستمر‭ ‬الذي‭ ‬يساعده‭ ‬على‭ ‬التعويض‭ ‬التدريجي‭ ‬لما‭ ‬ينقصه،‭ ‬فلا‭ ‬إحساس‭ ‬بالذنب‭ ‬أو‭ ‬التقصير،‭ ‬بل‭ ‬إحساس‭ ‬بالفخر‭ ‬والثقة‭. ‬هكذا‭ ‬أرى‭ ‬موضوع‭ ‬تنمية‭ ‬الذات‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الحرف‭ ‬الناقص‭ ‬دائمًا،‭ ‬ولا‭ ‬غرو‭ ‬بأن‭ ‬يختلف‭ ‬الحرف‭ ‬الذي‭ ‬أضعه‭ ‬عن‭ ‬الحرف‭ ‬الذي‭ ‬تضعه‭ ‬أنت‭ ‬فكلانا‭ ‬نكمل‭ ‬الناقص‭ ‬ونصنع‭ ‬الصورة‭.‬