زبدة القول

“كأنك يا أبوزيد ما غزيت”

| د. بثينة خليفة قاسم

“كأنك‭ ‬يا‭ ‬أبوزيد‭ ‬ما‭ ‬غزيت”‭ ‬جملة‭ ‬ساخرة‭ ‬أسمعها‭ ‬من‭ ‬أشقائنا‭ ‬المصريين‭ ‬عندما‭ ‬تنتهي‭ ‬خطة‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬لا‭ ‬شيء،‭ ‬فالإنسان‭ ‬يضع‭ ‬الخطط‭ ‬ويستعد‭ ‬وينفق‭ ‬المال‭ ‬ويبذل‭ ‬الجهد‭ ‬وينتظر‭ ‬النتيجة‭ ‬التي‭ ‬ترضيه،‭ ‬وفي‭ ‬النهاية‭ ‬لا‭ ‬يجد‭ ‬شيئا‭ ‬وكأنه‭ ‬ما‭ ‬سعى‭ ‬وما‭ ‬اجتهد،‭ ‬و”كأنك‭ ‬يا‭ ‬أبوزيد‭ ‬ما‭ ‬غزيت”‭. ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬“أبوزيد”‭ ‬الموجود‭ ‬في‭ ‬المقولة‭ ‬المصرية‭ ‬الساخرة‭ ‬هو‭ ‬أبوزيد‭ ‬الهلالي‭ ‬بطل‭ ‬السيرة‭ ‬الهلالية‭ ‬التي‭ ‬تحكي‭ ‬قصة‭ ‬عرب‭ ‬نجد‭ ‬وقيامهم‭ ‬بغزو‭ ‬شمال‭ ‬أفريقيا‭ ‬والوصول‭ ‬إلى‭ ‬تونس‭ ‬الخضراء‭ ‬كما‭ ‬تصفها‭ ‬سيرة‭ ‬بني‭ ‬هلال‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬بتجميعها‭ ‬وطبعها‭ ‬الراحل‭ ‬عبدالرحمن‭ ‬الأبنودي‭. ‬تذكرت‭ ‬هذه‭ ‬المقولة‭ ‬عندما‭ ‬تابعت‭ ‬تنفيذ‭ ‬قرار‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬جو‭ ‬بايدن‭ ‬بسحب‭ ‬القوات‭ ‬الأميركية‭ ‬من‭ ‬أفغانستان،‭ ‬وتقدم‭ ‬قوات‭ ‬طالبان‭ ‬وسيطرتها‭ ‬على‭ ‬غالبية‭ ‬الأراضي‭ ‬الأفغانية‭ ‬ودخولها‭ ‬العاصمة‭ ‬كابول‭ ‬وهروب‭ ‬الرئيس‭ ‬الأفغاني‭ ‬أشرف‭ ‬غني‭. ‬وسألت‭ ‬نفسي‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الأميركيون‭ ‬قد‭ ‬ذهبوا‭ ‬إلى‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬2001‭ ‬ونحن‭ ‬الآن‭ ‬2021‭ ‬فما‭ ‬النتيجة‭ ‬التي‭ ‬تحققت‭ ‬خلال‭ ‬عشرين‭ ‬عاما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬طالبان‭ ‬قد‭ ‬اجتاحت‭ ‬الأخضر‭ ‬واليابس‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكتمل‭ ‬رحيل‭ ‬القوات‭ ‬الأميركية،‭ ‬وقد‭ ‬أصبح‭ ‬هم‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬تأمين‭ ‬ترحيل‭ ‬الأسر‭ ‬والدبلوماسيين‭ ‬الأميركيين‭ ‬من‭ ‬هناك‭! ‬وقال‭ ‬الرئيس‭ ‬جو‭ ‬بايدن‭ ‬في‭ ‬تعليقه‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬هناك‭: ‬“لقد‭ ‬سمحت‭ ‬بنشر‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬5000‭ ‬جندي‭ ‬أميركي‭ ‬للتأكد‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬يمكننا‭ ‬إجراء‭ ‬انسحاب‭ ‬منظم‭ ‬وآمن‭ ‬من‭ ‬الأفراد‭ ‬الأميركيين‭ ‬وغيرهم‭ ‬من‭ ‬أفراد‭ ‬الحلفاء‭ ‬الأفغان‭ ‬الذين‭ ‬ساعدوا‭ ‬قواتنا‭ ‬خلال‭ ‬مهمتنا‭ ‬وأولئك‭ ‬المعرضين‭ ‬لخطر‭ ‬خاص‭ ‬من‭ ‬طالبان”‭. ‬أما‭ ‬النتيجة‭ ‬التي‭ ‬تحققت‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬السنين‭ ‬فقد‭ ‬قالها‭ ‬الرئيس‭ ‬بايدن‭ ‬أيضا‭ ‬وهي‭ ‬“أن‭ ‬أميركا‭ ‬ذهبت‭ ‬إلى‭ ‬أفغانستان‭ ‬قبل‭ ‬عشرين‭ ‬عاما‭ ‬لهزيمة‭ ‬القوات‭ ‬التي‭ ‬هاجمتها‭ ‬في‭ ‬11‭ ‬سبتمبر،‭ ‬وقد‭ ‬أسفرت‭ ‬تلك‭ ‬المهمة‭ ‬عن‭ ‬مقتل‭ ‬أسامة‭ ‬بن‭ ‬لادن‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عقد‭ ‬من‭ ‬الزمان‭ ‬وتراجع‭ ‬تنظيم‭ ‬القاعدة”‭. ‬إذا‭ ‬النتيجة‭ ‬طبقا‭ ‬لقول‭ ‬بايدن‭ ‬هي‭ ‬قتل‭ ‬أسامة‭ ‬بن‭ ‬لادن‭ ‬و”تراجع”‭ ‬القاعدة،‭ ‬لم‭ ‬يقل‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬القاعدة،‭ ‬فكم‭ ‬تريليونا‭ ‬أنفقت‭ ‬أميركا‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الحرب؟‭ ‬وكم‭ ‬جنديا‭ ‬أميركيا‭ ‬قتل؟

طبقا‭ ‬لقول‭ ‬الرئيس‭ ‬بايدن‭: ‬“أرسلت‭ ‬أميركا‭ ‬أفضل‭ ‬شبابها،‭ ‬واستثمرت‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬1‭ ‬تريليون‭ ‬دولار،‭ ‬ودربت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬300‭ ‬ألف‭ ‬جندي‭ ‬وشرطي‭ ‬أفغاني،‭ ‬وزودتهم‭ ‬بأحدث‭ ‬المعدات‭ ‬العسكرية‭ ‬وحافظت‭ ‬على‭ ‬قدراتهم‭ ‬العسكرية”‭. ‬فما‭ ‬هي‭ ‬نتيجة‭ ‬التدريب‭ ‬ونتيجة‭ ‬التسليح‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬طالبان‭ ‬قد‭ ‬وصلت‭ ‬لعرين‭ ‬الرئيس‭ ‬نفسه‭ ‬فولى‭ ‬هاربا؟‭ ‬وكأنك‭ ‬يا‭ ‬أبوزيد‭ ‬ما‭ ‬غزيت‭.‬