“استراتيجية إي لا”

| د.حورية الديري

سيتطرق‭ ‬حديثنا‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬اللهجة‭ ‬البحرينية‭ ‬وما‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬جمال‭ ‬وإبداع،‭ ‬إذ‭ ‬جئتكم‭ ‬باستراتيجية‭ ‬“إي‭.. ‬لا”‭ ‬التي‭ ‬تعني‭ ‬كما‭ ‬نعرف‭ ‬جميعًا‭ ‬تأكيد‭ ‬الشيء‭ ‬في‭ ‬الكلمة‭ ‬الأولى‭ ‬أو‭ ‬صحته‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬معنى‭ ‬“نعم”،‭ ‬والإضافة‭ ‬الجميلة‭ ‬لكلمة‭ ‬“لا”‭ ‬التي‭ ‬تسببت‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الحيرة‭ ‬والتساؤل‭ ‬لمن‭ ‬يحاول‭ ‬تفسير‭ ‬مدلولات‭ ‬اللهجة‭ ‬البحرينية‭.‬

السر‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬كلمة‭ ‬“لا”‭ ‬بعد‭ ‬“إي”‭ ‬ربما‭ ‬لأنه‭ ‬إثبات‭ ‬وتأكيد‭ ‬آخر‭ ‬للمؤكد‭ ‬عليه،‭ ‬وأعلم‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬يعرفونني‭ ‬الآن‭ ‬يتذكرونني‭ ‬بقواعد‭ ‬الرفع‭ ‬والنصب‭ ‬والجزم،‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬ليست‭ ‬كذلك،‭ ‬إنها‭ ‬مجرد‭ ‬ثنائية‭ ‬رائعة‭ ‬تستخدم‭ ‬بعفوية‭ ‬وبساطة‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬قوة‭ ‬اللهجة‭ ‬البحرينية‭ ‬في‭ ‬توظيف‭ ‬فن‭ ‬الصوت‭ ‬لإثبات‭ ‬معناها‭ ‬المقصود‭ ‬دون‭ ‬استنكار،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬ثنائية‭ ‬“قاعد‭ ‬أمشي”‭ ‬حيث‭ ‬الجميع‭ ‬يعرف‭ ‬المقصد‭ ‬منها‭ ‬هو‭ ‬المشي‭ ‬وكلمة‭ ‬“قاعد”‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬الجلوس،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬لتأكيد‭ ‬المضي‭ ‬في‭ ‬المشي‭.‬

إن‭ ‬التحليل‭ ‬المنطقي‭ ‬هنا‭ ‬لوجود‭ ‬هذه‭ ‬الثنائيات‭ ‬قد‭ ‬يخدم‭ ‬اللحن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬المعنى،‭ ‬لكنه‭ ‬اصطلاحًا‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬تضاد‭ ‬واضح،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬نجد‭ ‬الباحثين‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬يقفون‭ ‬أمام‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأخطاء‭ ‬اللغوية‭ ‬الشائعة‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لتقليلها‭ ‬أو‭ ‬التغاضي‭ ‬عنها،‭ ‬لذلك،‭ ‬وبسبب‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المواقف،‭ ‬استوقفتني‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المصطلحات‭ ‬التي‭ ‬نستخدمها‭ ‬في‭ ‬لهجتنا‭ ‬الشعبية،‭ ‬ورحت‭ ‬أبحث‭ ‬حولها،‭ ‬وجدت‭ ‬الأمر‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬له‭ ‬بالتاريخ‭ ‬والتراث‭ ‬أو‭ ‬الموقع‭ ‬الجغرافي‭ ‬فحسب،‭ ‬ففي‭ ‬كل‭ ‬حقبة‭ ‬تاريخية‭ ‬مقومات‭ ‬مختلفة‭ ‬تؤثر‭ ‬وتتأثر‭ ‬وتنتج‭ ‬عنها‭ ‬حصيلة‭ ‬من‭ ‬المصطلحات‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬يبقى‭ ‬ويستمر،‭ ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬يضمحل‭ ‬ويختفي،‭ ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬ترصده‭ ‬إشكاليات‭ ‬الدراسة‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬الأصل‭ ‬والنتيجة،‭ ‬التي‭ ‬تؤكد‭ ‬مستوى‭ ‬الاندماج‭ ‬الثقافي‭ ‬والانفتاح‭ ‬العالمي،‭ ‬وانعكاساته‭ ‬في‭ ‬إحداث‭ ‬التنوع‭ ‬الهائل‭ ‬في‭ ‬اللهجات،‭ ‬لكن‭ ‬عندما‭ ‬نصل‭ ‬إلى‭ ‬أعلى‭ ‬درجات‭ ‬الإبداع‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬الثنائيات‭ ‬اللفظية‭ ‬المتضادة‭ ‬وتعبيرها‭ ‬عن‭ ‬المدلول‭ ‬الحقيقي‭ ‬باستخدام‭ ‬اللحن‭ ‬المتوافق،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬فعلاً‭ ‬استراتيجية‭ ‬استثنائية‭ ‬وفريدة‭ ‬من‭ ‬نوعها،‭ ‬هذا‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬روح‭ ‬الطرفة‭ ‬التي‭ ‬تدخلها‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬متداوليها‭ ‬عند‭ ‬الفحص‭ ‬والمقارنة‭ ‬والتركيز‭.‬

وهذا‭ ‬تميز‭ ‬فريد‭ ‬للهجة‭ ‬البحرينية،‭ ‬ولنا‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬توظيف‭ ‬هذه‭ ‬الثنائيات‭ ‬اللغوية‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر‭ ‬وربطها‭ ‬بعلم‭ ‬الصوتيات‭ ‬لبلورة‭ ‬نمط‭ ‬جديد‭ ‬ربما‭ ‬يكون‭ ‬خطوة‭ ‬نحو‭ ‬الاستعداد‭ ‬لإطلاق‭ ‬ثنائيات‭ ‬جديدة‭ ‬ك‭ ‬“إي‭.. ‬لا”،‭ ‬وظهور‭ ‬فن‭ ‬صوتي‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬مستجدات‭ ‬اللهجة‭ ‬الشعبية‭.‬