سوالف

“يونسكو”... الخبرة الإنسانية الشاملة

| أسامة الماجد

من‭ ‬لم‭ ‬يستفد‭ ‬من‭ ‬الخبرة‭ ‬الإنسانية‭ ‬الشاملة‭ ‬للكاتب‭ ‬والأديب‭ ‬المسرحي‭ ‬الفرنسي‭ ‬العظيم‭ ‬“يوجين‭ ‬يونسكو”‭ ‬ستنشف‭ ‬مياه‭ ‬أنهاره‭ ‬وسيجد‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬سماء‭ ‬بلا‭ ‬ساحل،‭ ‬فمن‭ ‬روائع‭ ‬يونسكو‭ ‬فكرة‭ ‬نظافة‭ ‬الفن‭ ‬المطلقة،‭ ‬حيث‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬الشاعر‭ ‬غير‭ ‬مرتبط‭ ‬بالمجتمع،‭ ‬فالارتباط‭ ‬يعطله‭ ‬ويمنعه‭ ‬من‭ ‬الانفتاح،‭ ‬ومن‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬يونسكو‭ ‬فإن‭ ‬الأدب‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬بل‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬أراد،‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬بأي‭ ‬دور‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬فدوره‭ ‬حسب‭ ‬رأيه‭ ‬يتحدد‭ ‬بتصوير‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التعبير‭ ‬عنه‭ ‬ببساطة،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الأمر‭ ‬يصل‭ ‬بيونسكو‭ ‬حد‭ ‬أن‭ ‬يعلن‭ ‬احتقاره‭ ‬الكتاب‭ ‬الذين‭ ‬يعترفون‭ ‬بدور‭ ‬الأدب‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬ويسميهم‭ ‬تحت‭ ‬السیاسيین‭.‬

الناقد‭ ‬الفرنسي‭ ‬“دبيليتش”‭ ‬أوضح‭ ‬أن‭ ‬انعدام‭ ‬التسييس‭ ‬عند‭ ‬يونسكو‭ ‬ليس‭ ‬بريئا‭ ‬كما‭ ‬يبدو،‭ ‬فإن‭ ‬رفض‭ ‬يونسكو‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬نمط‭ ‬مريح‭ ‬لنفي‭ ‬الثورة‭ ‬ورفض‭ ‬التقدم‭ ‬والآيديولوجيات‭ ‬التقدمية،‭ ‬فلماذا‭ ‬نناضل‭ ‬ونحاول‭ ‬تغيير‭ ‬الحياة‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬النتيجة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الأحوال‭ ‬هي‭ ‬الموت،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نعرف‭ ‬سر‭ ‬الكون؟

إن‭ ‬يونسكو‭ ‬يثير‭ ‬التشاؤم،‭ ‬مؤكدا‭ ‬أن‭ ‬الشر‭ ‬أمر‭ ‬لا‭ ‬حد‭ ‬له‭ ‬ولا‭ ‬نهاية،‭ ‬وأن‭ ‬العالم‭ ‬سيظل‭ ‬أبدا‭ ‬“حديقة‭ ‬حيوانات‭ ‬تجد‭ ‬فيها‭ ‬الحيوانات‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬الحرية”،‭ ‬ولن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬أمل‭ ‬في‭ ‬الانتصار‭ ‬على‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬الموت‭ ‬والوحدة‭ ‬والمرض‭ ‬والحنين‭. ‬يونسكو‭ ‬يتمسك‭ ‬بنظرية‭ ‬باتت‭ ‬اليوم‭ ‬موؤدة‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬وهي‭ ‬النظرية‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬انعدام‭ ‬الآيديولوجيات،‭ ‬وطبقا‭ ‬لرأيه،‭ ‬فلا‭ ‬يوجد‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬استغلال،‭ ‬ولا‭ ‬يوجد‭ ‬أفراد‭ ‬يعانون‭ ‬منه،‭ ‬طبعا،‭ ‬وليس‭ ‬ثمة‭ ‬أبطال‭ ‬وجبناء،‭ ‬ولا‭ ‬شرفاء‭ ‬وأنذال،‭ ‬ثمة‭ ‬فقط‭ ‬أناس‭ ‬تعتصرهم‭ ‬لامعقولية‭ ‬الحياة،‭ ‬ووحشية‭ ‬التاريخ‭ ‬والجهل‭.‬

لقد‭ ‬كتب‭ ‬يونسكو‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬مقالاته‭ ‬المبكرة‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬“لا”‭ ‬يقول‭..‬”إن‭ ‬مهمتي‭ ‬واحدة‭ ‬وهي‭ ‬إثارة‭ ‬الضوضاء”،‭ ‬ولعل‭ ‬هذا‭ ‬الاعتراف‭ ‬مميز‭ ‬بالنسبة‭ ‬ليونسكو،‭ ‬فالأفكار‭ ‬التي‭ ‬يوحي‭ ‬بها‭ ‬للفن‭ ‬المستحدث‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬إلا‭ ‬إعادة‭ ‬لمبادئ‭ ‬فلسفة‭ ‬وجماليات‭ ‬عصر‭ ‬الفن‭ ‬للفن‭ ‬وهذه‭ ‬مخاضة‭ ‬ردمها‭ ‬الفن‭ ‬العالمي‭ ‬المعاصر‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬بعيد‭.‬