سمكة أبريل

| د.حورية الديري

وكما‭ ‬تدور‭ ‬بنا‭ ‬عقارب‭ ‬الساعة،‭ ‬وكيفما‭ ‬يمضي‭ ‬بنا‭ ‬الزمن‭ ‬مسرعًا‭ ‬نحو‭ ‬تداعيات‭ ‬وأحداث‭ ‬تجعلنا‭ ‬قيد‭ ‬التاريخ‭ ‬واللحظة،‭ ‬فإنها‭ ‬لا‭ ‬تنسينا‭ ‬بعض‭ ‬الموروثات‭ ‬والتقاليد‭ ‬العالمية،‭ ‬ونبقى‭ ‬على‭ ‬اتصال‭ ‬بها‭ ‬مهما‭ ‬طالت‭ ‬صولاتنا،‭ ‬ألا‭ ‬نستحضر‭ ‬جميعًا‭ ‬كذبة‭ ‬أبريل؟‭ ‬ألم‭ ‬نشهد‭ ‬معًا‭ ‬نسبة‭ ‬الانتشار‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬الرسائل‭ ‬والتعليقات‭ ‬والتفاعلات‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭.‬

يقال‭ ‬إن‭ ‬التاريخ‭ ‬نفسه‭ ‬عجز‭ ‬عن‭ ‬التوثيق‭ ‬الحقيقي‭ ‬لأصل‭ ‬هذا‭ ‬التقليد‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬مصدرًا‭ ‬لكل‭ ‬متخصص‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬إطلاق‭ ‬النكت‭ ‬الكاذبة‭ ‬وصناعة‭ ‬المقالب‭ ‬كي‭ ‬يستثمر‭ ‬قدراته‭ ‬ويحقق‭ ‬غاياته‭... ‬تاريخيًا،‭ ‬قد‭ ‬يرجع‭ ‬ذلك‭ ‬الحدث‭ ‬إلى‭ ‬العصور‭ ‬الوسطى‭ ‬وتختلف‭ ‬النظريات‭ ‬التي‭ ‬اجتهدت‭ ‬في‭ ‬إطلاق‭ ‬تسمية‭ ‬سمكة‭ ‬أبريل‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الروايات‭ ‬والأحاديث‭ ‬التي‭ ‬تباينت‭ ‬وساهمت‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬هذا‭ ‬التقليد،‭ ‬والذي‭ ‬مازال‭ ‬بين‭ ‬كفتي‭ ‬مؤيد‭ ‬ومعارض‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الباحثين،‭ ‬ووصولاً‭ ‬إلى‭ ‬تاريخنا‭ ‬المعاصر،‭ ‬يوجد‭ ‬لدينا‭ ‬الكثير‭ ‬مما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نرصده‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬خصوصا‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الدعاية‭ ‬المتبعة‭ ‬لدى‭ ‬أكبر‭ ‬الشركات،‭ ‬ولنا‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬بعض‭ ‬النماذج‭ ‬التي‭ ‬استفادت‭ ‬فعلاً‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الحدث،‭ ‬حيث‭ ‬قالت‭ ‬إحدى‭ ‬شركات‭ ‬المشروبات‭ ‬الغازية‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬‮١٩٩٦‬‭ ‬إن‭ ‬العلبة‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬اللون‭ ‬الأزرق‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬انتهاء‭ ‬صلاحية‭ ‬المشروب،‭ ‬وذلك‭ ‬بغرض‭ ‬إبعاد‭ ‬الناس‭ ‬عن‭ ‬علب‭ ‬الكولا‭ ‬الزرقاء‭ ‬الخاصة‭ ‬بالشركة‭ ‬المنافسة،‭ ‬وكما‭ ‬أذكر‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬‮٢٠١٤‬‭ ‬أطلقت‭ ‬شركة‭ ‬جوجل‭ ‬مسابقة‭ ‬حول‭ ‬استخدام‭ ‬خرائط‭ ‬جوجل‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬البوكيمون،‭ ‬وقد‭ ‬شهدت‭ ‬هذه‭ ‬الكذبة‭ ‬انتشارًا‭ ‬واسعًا‭ ‬آنذاك‭ ‬وتأثرًا‭ ‬عالميًا‭ ‬لا‭ ‬نظير‭ ‬له‭.‬

وقد‭ ‬اعتادت‭ ‬جوجل‭ ‬الاحتفال‭ ‬السنوي‭ ‬بهذه‭ ‬المناسبة،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬توقفت‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬منذ‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬بسبب‭ ‬أزمة‭ ‬كورونا،‭ ‬احترامًا‭ ‬للذين‭ ‬يحاربون‭ ‬كورونا‭ ‬والمعلومات‭ ‬المضللة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تنتشر‭ ‬حول‭ ‬الفيروس‭ ‬عبر‭ ‬استغلال‭ ‬إحياء‭ ‬هذا‭ ‬التقليد،‭ ‬وذلك‭ ‬كما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬التصريح‭ ‬الأخير‭ ‬لرئيسة‭ ‬التسويق‭ ‬بالشركة‭ ‬لورين‭ ‬توهيل‭. ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬الإرث‭ ‬وغيره‭ ‬جدير‭ ‬بالتقييم‭ ‬طالما‭ ‬أننا‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬التحولات،‭ ‬فكما‭ ‬برزت‭ ‬كذبة‭ ‬أبريل‭ ‬يومًا‭ ‬وحققت‭ ‬أرقامًا‭ ‬قياسية‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الانتشار،‭ ‬فإننا‭ ‬نتمنى‭ ‬استثمار‭ ‬هذا‭ ‬التقليد‭ ‬أيضًا‭ ‬لخير‭ ‬وصالح‭ ‬البشر،‭ ‬لذلك‭ ‬وهذا‭ ‬الرأي‭ ‬شخصي،‭ ‬يتطلب‭ ‬فعلاً‭ ‬تشجيع‭ ‬تلك‭ ‬المواهب‭ ‬المرتبطة‭ ‬بإطلاق‭ ‬النكت‭ ‬والمزحات‭ ‬باعتبارها‭ ‬قدرات‭ ‬مميزة‭ ‬يهبها‭ ‬الله‭ ‬لبعض‭ ‬البشر‭ ‬الذين‭ ‬يمتلكون‭ ‬دماثة‭ ‬الروح‭ ‬ورحابة‭ ‬النفس،‭ ‬وهو‭ ‬أسلوب‭ ‬راق‭ ‬في‭ ‬تنمية‭ ‬علاقات‭ ‬البشر‭ ‬وإضفاء‭ ‬جو‭ ‬الضحك‭ ‬والترفيه،‭ ‬فماذا‭ ‬لو‭ ‬صارت‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬منهجية‭ ‬تنمية‭ ‬مهارات‭ ‬الشباب‭ ‬في‭ ‬توليد‭ ‬الأفكار‭ ‬والإبداع‭ ‬في‭ ‬التعليقات‭ ‬الإيجابية؟‭.‬