البحث العلمي... مرة أخرى

| د. عبدالله الحواج

عندما‭ ‬تحدثنا‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬سابق‭ ‬عن‭ ‬البحث‭ ‬العلمي،‭ ‬كنت‭ ‬أود‭ ‬تجميع‭ ‬مرئيات‭ ‬جادة،‭ ‬وتوثيق‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬محايدة‭ ‬بشأن‭ ‬أهمية‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬في‭ ‬كشف‭ ‬أغوار‭ ‬الكون‭ ‬الرهيب،‭ ‬وربط‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬لنا‭ ‬بضيق‭ ‬اليد‭ ‬وقلة‭ ‬الحيلة‭ ‬وضعف‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬متغيرات‭ ‬الأرض،‭ ‬واحتياجات‭ ‬الإنسان،‭ ‬وإيجاد‭ ‬حلول‭ ‬قاطعة‭ ‬للكثير‭ ‬من‭ ‬المعضلات‭ ‬التي‭ ‬تتربص‭ ‬بهذا‭ ‬العالم،‭ ‬ليس‭ ‬ابتداءً‭ ‬بكورونا‭ ‬وتحوراتها،‭ ‬وليس‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬تداعياتها‭ ‬وتشرذماتها،‭ ‬إنما‭ ‬بالعديد‭ ‬من‭ ‬الأمراض‭ ‬الفتاكة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬اكتشاف‭ ‬علاج‭ ‬حاسم‭ ‬لها،‭ ‬للأورام‭ ‬الخبيثة‭ ‬لا‭ ‬قدر‭ ‬الله‭ ‬وكيف‭ ‬أنها‭ ‬تقضي‭ ‬على‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬كل‭ ‬سنة،‭ ‬للأمراض‭ ‬والأوبئة‭ ‬الطارئة‭ ‬وكيف‭ ‬أن‭ ‬أحدًا‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬لم‭ ‬يكتشف‭ ‬بؤر‭ ‬تخلقها،‭ ‬وأوطان‭ ‬تألقها،‭ ‬وشراسة‭ ‬تماديها،‭ ‬وكيف‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬زمان‭ ‬وكل‭ ‬مكان‭ ‬مازال‭ ‬يلف‭ ‬على‭ ‬ذواته‭ ‬وعلى‭ ‬حوائطه‭ ‬الأربعة‭ ‬ملايين‭ ‬اللفات‭ ‬كي‭ ‬يفسر‭ ‬سببًا‭ ‬وجيهًا‭ ‬لزوال‭ ‬الديمومة‭ ‬من‭ ‬فوق‭ ‬الأرض‭.‬

الخلود‭ ‬بمفهومه‭ ‬المادي‭ ‬وليس‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬البقاء‭ ‬بعد‭ ‬الزوال،‭ ‬أبسط‭ ‬مشكلات‭ ‬الكون‭ ‬وأهمها‭ ‬التوازن‭ ‬البيئي،‭ ‬والتلوث‭ ‬ومكوناته،‭ ‬ووسائل‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬القمامة‭ ‬وإعادة‭ ‬تصنيفها‭ ‬وتصنيعها‭ ‬وإخراجها‭ ‬في‭ ‬أبهى‭ ‬صورة‭ ‬وأجمل‭ ‬مرتجى،‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬مازال‭ ‬يحتاج‭ ‬منا‭ ‬كأكاديميين‭ ‬إلى‭ ‬عناية‭ ‬فائقة،‭ ‬إلى‭ ‬بحث‭ ‬علمي‭ ‬لا‭ ‬يحط‭ ‬جام‭ ‬جهوده‭ ‬على‭ ‬مجرد‭ ‬حبر‭ ‬فوق‭ ‬ورق،‭ ‬أو‭ ‬بين‭ ‬سلالات‭ ‬لغوية‭ ‬داخل‭ ‬حاسوب،‭ ‬أو‭ ‬ضمن‭ ‬تجارب‭ ‬ليست‭ ‬معملية‭ ‬لنزكي‭ ‬أنفسنا‭ ‬وندعي‭ ‬بأننا‭ ‬أنجزنا‭ ‬بحثًا‭ ‬علميًا‭ ‬فوق‭ ‬العادة،‭ ‬أو‭ ‬أننا‭ ‬أطحنا‭ ‬بنظريات‭ ‬عفا‭ ‬عليها‭ ‬الزمن‭ ‬وأقمنا‭ ‬الصروح‭ ‬ببحوث‭ ‬أخرى‭ ‬أكثر‭ ‬جدارة‭ ‬وتفوقًا‭.‬

البحث‭ ‬العلمي‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يتحرك‭ ‬إلى‭ ‬شارع‭ ‬التجارب‭ ‬البشري،‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يسير‭ ‬في‭ ‬الطريق‭ ‬ذاته،‭ ‬ويمضي‭ ‬نحو‭ ‬الهدف‭ ‬ذاته،‭ ‬يزاحم‭ ‬الناس‭ ‬بسرعة‭ ‬فائقة‭ ‬على‭ ‬المضي‭ ‬قدمًا‭ ‬نحو‭ ‬مجتمع‭ ‬الكفاية‭ ‬والعدل،‭ ‬الكفاية‭ ‬في‭ ‬الإنتاج‭ ‬والعدل‭ ‬في‭ ‬التوزيع،‭ ‬في‭ ‬إنجاب‭ ‬الثروات‭ ‬وليس‭ ‬انتظارها‭ ‬حتى‭ ‬تخرج‭ ‬في‭ ‬صدفة‭ ‬ربانية‭ ‬بحتة‭ ‬محملة‭ ‬بالمعادن‭ ‬والنيازك‭ ‬والغازات‭ ‬الطبيعية‭ ‬والسلالات‭ ‬النفطية،‭ ‬والإبداعات‭ ‬البوهيمية،‭ ‬إنجاب‭ ‬الثروات‭ ‬وتخليقها‭ ‬من‭ ‬العدم،‭ ‬البحث‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬المطمور‭ ‬من‭ ‬بقاع‭ ‬ووديان‭ ‬وصحار‭ ‬وجبال‭ ‬شاهقة،‭ ‬في‭ ‬الدخول‭ ‬إلى‭ ‬معامل‭ ‬التجارب‭ ‬ومعنا‭ ‬عينات‭ ‬لطحالب‭ ‬وفطريات‭ ‬وفيروسات‭ ‬لا‭ ‬تُرى‭ ‬بالعين‭ ‬المجردة،‭ ‬فإذا‭ ‬بنا‭ ‬نكتشف‭ ‬بأن‭ ‬آثارها‭ ‬ودمارها‭ ‬يمكن‭ ‬رؤيته‭ ‬بأبسط‭ ‬من‭ ‬عين‭ ‬مجردة،‭ ‬جرار‭ ‬فخارية‭ ‬عليها‭ ‬بصمات‭ ‬لشعوب‭ ‬جاءت‭ ‬وشعوب‭ ‬رحلت،‭ ‬وشعوب‭ ‬واصلت‭ ‬الحياة‭ ‬ونحن‭ ‬مازلنا‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬لا‭ ‬نفهم‭ ‬في‭ ‬فك‭ ‬شفرة‭ ‬الخلق،‭ ‬ومازلنا‭ ‬نعتمد‭ ‬على‭ ‬داروين‭ ‬الذي‭ ‬أكد‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬لا‭ ‬يندرج‭ ‬من‭ ‬فصيلة‭ ‬القرود،‭ ‬وأن‭ ‬الحلقة‭ ‬المفقودة‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬والقرد‭ ‬مازالت‭ ‬قيد‭ ‬البحث‭ ‬والتجربة،‭ ‬وأن‭ ‬الفراغ‭ ‬البحثي‭ ‬المهيمن‭ ‬على‭ ‬أسطورة‭ ‬الإنسان‭ ‬الأول‭ ‬مازال‭ ‬يُحلق‭ ‬عليها‭ ‬فكر‭ ‬غيبي‭ ‬معتبر،‭ ‬وبراءات‭ ‬اختراع‭ ‬عينية‭ ‬لا‭ ‬يُشار‭ ‬إليها‭ ‬بالبنان‭.‬

البحث‭ ‬العلمي‭ ‬ظالمًا‭ ‬أو‭ ‬مظلومًا،‭ ‬ظالمًا‭ ‬لنفسه‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يذهب‭ ‬إلى‭ ‬خارج‭ ‬الحدود‭ ‬المرسومة‭ ‬له،‭ ‬ومظلومًا‭ ‬لأن‭ ‬الإطار‭ ‬الإداري‭ ‬“المنقوع”‭ ‬فيه‭ ‬مازال‭ ‬بيروقراطيًا‭ ‬حتى‭ ‬النخاع،‭ ‬ومازالت‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تصويب‭ ‬المسار‭ ‬مرتهنة‭ ‬بميزانية‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬محدودة،‭ ‬وبرؤى‭ ‬تحتاج‭ ‬لمزيد‭ ‬من‭ ‬الشجاعة‭ ‬والإقدام،‭ ‬خاصةً‭ ‬أننا‭ ‬كأمة‭ ‬إنسانية‭ ‬محشورون‭ ‬في‭ ‬الفك‭ ‬المفترس‭ ‬لجائحة‭ ‬لم‭ ‬تفرق‭ ‬بين‭ ‬غني‭ ‬وفقير،‭ ‬بين‭ ‬عالم‭ ‬وأجير،‭ ‬بين‭ ‬عظيم‭ ‬ومحدود‭ ‬الإطلالة‭ ‬والعطاء،‭ ‬الكل‭ ‬سواسية‭ ‬في‭ ‬فلك‭ ‬الكورونا‭ ‬الرهيب،‭ ‬نصاب‭ ‬بالفيروس‭ ‬ونحاول‭ ‬أن‭ ‬نتفاداه،‭ ‬لكننا‭ ‬لا‭ ‬نعرف‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬جاء‭ ‬ولماذا،‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬العلاج‭ ‬الشافي‭ ‬العافي‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬مكروه،‭ ‬نستسلم‭ ‬لأنواع‭ ‬متعددة‭ ‬من‭ ‬اللقاحات‭ ‬لكننا‭ ‬مازلنا‭ ‬نسمع‭ ‬عن‭ ‬إصابات‭ ‬لمتلقحين،‭ ‬ووفيات‭ ‬لمحترزين،‭ ‬ومضاعفات‭ ‬لآخرين،‭ ‬لكن‭ ‬ماذا‭ ‬نقول؟‭ ‬إنه‭ ‬الفقر‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬العلمي،‭ ‬في‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الفرز‭ ‬والتدقيق‭ ‬والتفكير‭ ‬العميق،‭ ‬والنقص‭ ‬كل‭ ‬النقص‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬رؤى‭ ‬متقاعدة‭ ‬أو‭ ‬تقليدية،‭ ‬إنما‭ ‬في‭ ‬إمكانات‭ ‬مهيضة‭ ‬الجناح‭ ‬بأي‭ ‬مقياس‭ ‬من‭ ‬المقاييس‭.‬