الحسود... كائن ضار يستحق الإبادة

| هدى حرم

يجولُ‭ ‬في‭ ‬الأزقةِ‭ ‬والطرقات،‭ ‬ليستكشفَ‭ ‬أحوالَ‭ ‬الجيران،‭ ‬لا‭ ‬ليمدَّ‭ ‬لهم‭ ‬يدَ‭ ‬المساعدة،‭ ‬ولا‭ ‬ليسألَ‭ ‬عن‭ ‬أحوالهم،‭ ‬بل‭ ‬ليكتشفَ‭ ‬ما‭ ‬تبضعوه‭ ‬اليوم،‭ ‬أو‭ ‬ليرصد‭ ‬السيارةَ‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬اشتروها،‭ ‬ولا‭ ‬يتوقفُ‭ ‬أمره‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد،‭ ‬بل‭ ‬يتعداهُ‭ ‬للتحقيق‭ ‬مع‭ ‬جارهِ‭ ‬في‭ ‬سعر‭ ‬الشيء‭ ‬الذي‭ ‬اشتراه،‭ ‬ومن‭ ‬أين‭ ‬أتى‭ ‬بالمال،‭ ‬ويحاججهُ‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬هذا‭ ‬مطولاً‭ ‬وبكلِ‭ ‬صفاقة‭!‬

متى‭ ‬يعي‭ ‬هذا‭ ‬الحسود‭ ‬أنَّ‭ ‬الأمرَ‭ ‬لا‭ ‬يعنيه،‭ ‬فلمْ‭ ‬يمدَّ‭ ‬الآخرونَ‭ ‬أيديهم‭ ‬في‭ ‬جيبه‭ ‬ليشتروا‭ ‬سيارةً‭ ‬أخيراً،‭ ‬ولا‭ ‬طلبوا‭ ‬منه‭ ‬مالاً‭ ‬ليُرمموا‭ ‬منازلهم،‭ ‬فبأيِ‭ ‬حقٍ‭ ‬يرصدُ‭ ‬ما‭ ‬يقتنون،‭ ‬ويحققُ‭ ‬معهم‭ ‬فيما‭ ‬يملكون؟‭ ‬هم‭ ‬بالتأكيد‭ ‬اقترضوا‭ ‬المال‭ ‬وتكبَّدوا‭ ‬مشقةَ‭ ‬الدين‭ ‬لسنينَ‭ ‬طويلةٍ‭ ‬قادمة،‭ ‬ولا‭ ‬يحتملون‭ ‬عينَ‭ ‬حاسدٍ‭ ‬أخذهُ‭ ‬الحقدُ‭ ‬ليُقاصِصهم‭ ‬في‭ ‬أرزاقهم‭ ‬ويشتعلَ‭ ‬بالغيرة‭ ‬من‭ ‬أوضاعهم‭. ‬هذا‭ ‬الحسودُ‭ ‬لا‭ ‬يحسدُ‭ ‬الآخرين‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬ممتلكاتهم،‭ ‬بل‭ ‬يحسدهم‭ ‬كذلك‭ ‬على‭ ‬أجسامهم‭ ‬وأولادِهم‭ ‬وآبائهم‭ ‬وعشيرتهم‭ ‬وبلدانهم‭.‬

قد‭ ‬لا‭ ‬يتفق‭ ‬الجميعُ‭ ‬معي،‭ ‬إلا‭ ‬أنني‭ ‬مؤمنة‭ ‬بشرِ‭ ‬الحاسد‭ ‬وعُظمِ‭ ‬خطره،‭ ‬نظرته‭ ‬فتاكةٌ‭ ‬بحق،‭ ‬فما‭ ‬انْ‭ ‬يرمقكَ‭ ‬بعينهِ‭ ‬حتى‭ ‬تتدهورَ‭ ‬صحتك،‭ ‬وما‭ ‬انْ‭ ‬تُصيبَ‭ ‬موجاتُها‭ ‬الكهرومغناطيسية‭ ‬سيارتكَ‭ ‬حتى‭ ‬تتعرضَ‭ ‬لحادثٍ،‭ ‬لا‭ ‬سمح‭ ‬الله‭. ‬اِحذرْ‭ ‬عينيه،‭ ‬وإياكَ‭ ‬أنْ‭ ‬تُعلنَ‭ ‬عما‭ ‬تملكُ‭ ‬أمامه،‭ ‬وإنْ‭ ‬كنتَ‭ ‬لا‭ ‬تتفقُ‭ ‬معي،‭ ‬فأنتَ‭ ‬بالتأكيد‭ ‬توافقني‭ ‬على‭ ‬أنَّ‭ ‬الحسدَ‭ ‬خُلقٌ‭ ‬ذميم،‭ ‬تترتبُ‭ ‬عليه‭ ‬أضرارٌ‭ ‬جسيمة‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬الحاسد‭ ‬وحدهُ‭ ‬“الذي‭ ‬يأكلُ‭ ‬جوفهُ‭ ‬الغِلُّ‭ ‬كلما‭ ‬قارنَ‭ ‬نفسه‭ ‬بغيره‭ ‬واعتبرهم‭ ‬أفضلَ‭ ‬منه”،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬بأسره؛‭ ‬فهو‭ ‬ينشرُ‭ ‬الضغينةَ‭ ‬والعداء‭ ‬بين‭ ‬أفراد‭ ‬المجتمع،‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬وأفرادِ‭ ‬الأسرةِ‭ ‬الواحدة،‭ ‬مما‭ ‬يجرُّ‭ ‬بالأمم‭ ‬إلى‭ ‬التخلفِ‭ ‬والانحدار‭.. ‬الحسد‭ ‬كان‭ ‬أولُ‭ ‬ذنبٍ‭ ‬عُصِي‭ ‬به‭ ‬اللهُ‭ ‬في‭ ‬السماء،‭ ‬وأولُ‭ ‬ذنبٍ‭ ‬عُصِيَ‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬الأرض،‭ ‬فمتى‭ ‬يتوقف‭ ‬الحساد‭ ‬عن‭ ‬نشر‭ ‬الفساد؟‭! ‬حين‭ ‬يتمنى‭ ‬الحاسدُ‭ ‬زوالَ‭ ‬نعمة‭ ‬أخيه‭ ‬لتصير‭ ‬إليه،‭ ‬ما‭ ‬يعبر‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬بالتفكير‭ ‬الرغبوي،‭ ‬فهو‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬فريسةً‭ ‬للقلقِ‭ ‬والغضب‭ ‬الذي‭ ‬يولد‭ ‬لديه‭ ‬صراعاً‭ ‬مع‭ ‬الآخرين،‭ ‬لتعُمَّ‭ ‬البغضاءُ‭ ‬وتنتشرَ‭ ‬الجريمة‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يقودُ‭ ‬بالأمة‭ ‬للضعفِ‭ ‬والخراب‭.‬