التقاعد نهاية أم بداية لحياة أخرى؟

| هدى حرم

يكافحُ‭ ‬المرءُ‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭ ‬كي‭ ‬يبني‭ ‬مستقبله‭ ‬ويؤسسَ‭ ‬عُشاً‭ ‬هانئاً‭ ‬مع‭ ‬شريك‭ ‬حياته‭ ‬ومستقبلاً‭ ‬آمناً‭ ‬له‭ ‬ولأسرته؛‭ ‬فيعمل‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬يملك‭ ‬من‭ ‬همَّةٍ‭ ‬وعزم‭ ‬ليُوفرَ‭ ‬متطلباتِ‭ ‬الحياة‭ ‬ويؤمِّنَ‭ ‬مستقبلَ‭ ‬أبنائه‭ ‬فلا‭ ‬يشقوا‭ ‬من‭ ‬بعده،‭ ‬وليسهل‭ ‬عليهم‭ ‬شقَّ‭ ‬دُروبهم‭ ‬بعد‭ ‬رحيلِ‭ ‬آبائهم‭ ‬ومُعيليهم،‭ ‬وفي‭ ‬خِضم‭ ‬هذه‭ ‬التضحيات‭ ‬ينسى‭ ‬المرءُ‭ ‬نفسه‭ ‬ويُقدِّم‭ ‬حاجات‭ ‬عائلته‭ ‬على‭ ‬حاجاتهِ‭ ‬هو،‭ ‬وقد‭ ‬يُضطرُ‭ ‬للعمل‭ ‬الإضافي‭ ‬لسد‭ ‬احتياجاتِ‭ ‬أسرته‭ ‬والترفيه‭ ‬عنهم‭ ‬والوفاء‭ ‬بديونه‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنقضي؛‭ ‬فيُقصِّرَ‭ ‬في‭ ‬أداءِ‭ ‬واجباته‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والتواصل‭ ‬مع‭ ‬المجتمع،‭ ‬حتى‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬يقصر‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬نفسه‭ ‬فيُقلع‭ ‬عن‭ ‬ممارسة‭ ‬هواياته‭ ‬السابقة،‭ ‬ويخبئ‭ ‬أحلامه‭ ‬في‭ ‬خزائنِ‭ ‬النسيان،‭ ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬يعالجُ‭ ‬نفسهُ‭ ‬عند‭ ‬المرض‭ ‬لعدم‭ ‬امتلاكهِ‭ ‬الوقت‭ ‬أو‭ ‬المال‭ ‬الكافيين‭ ‬لرؤيةِ‭ ‬الطبيب،‭ ‬فتتفاقم‭ ‬أمراضُه‭ ‬الصغيرة‭ ‬لتتحول‭ ‬لأمراضٍ‭ ‬مزمنة‭.‬

كلُّ‭ ‬الأحلام‭ ‬والخطط‭ ‬مؤجلة‭ ‬لمرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬التقاعد،‭ ‬فهل‭ ‬هناك‭ ‬حقاً‭ ‬حياة‭ ‬جديدة‭ ‬تبدأ‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة،‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬النهاية‭ ‬لحياةِ‭ ‬إنسانٍ‭ ‬كدَحَ‭ ‬إلى‭ ‬ربهِ‭ ‬كدحاً‭ ‬ليلاقيه‭ ‬ويستسلمَ‭ ‬لكلِ‭ ‬ما‭ ‬ستأتي‭ ‬به‭ ‬الحياة؟‭ ‬الواقع‭ ‬يقول‭ ‬“It’s never too late”،‭ ‬فنحن‭ ‬نستطيعُ‭ ‬تحقيق‭ ‬أحلامنا‭ ‬التي‭ ‬شُغِلنا‭ ‬عنها‭ ‬ونحن‭ ‬نُطْحنُ‭ ‬في‭ ‬طاحونةِ‭ ‬العمل‭ ‬الدؤوب‭ ‬ودوامةِ‭ ‬الحياة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تهدأ،‭ ‬بعد‭ ‬أنْ‭ ‬ألهتنا‭ ‬الدنيا‭ ‬عن‭ ‬أنفسنا‭ ‬بمنْ‭ ‬نُحب،‭ ‬يأتي‭ ‬دورُ‭ ‬الاهتمامِ‭ ‬بأنفُسنا‭. ‬الآن،‭ ‬سنركزُ‭ ‬على‭ ‬عباداتنا‭ ‬ونرأب‭ ‬الصدوع‭ ‬في‭ ‬علاقاتنا‭ ‬بأهلينا‭ ‬ونعودَ‭ ‬لصلةِ‭ ‬أرحامنا،‭ ‬سنهتمُ‭ ‬بصحتنا‭ ‬وسلامةِ‭ ‬غذائنا‭ ‬وسنبدأُ‭ ‬بأداءِ‭ ‬تمارينَ‭ ‬رياضيةٍ‭ ‬يومية‭ ‬تُعيدُ‭ ‬لأجسادنا‭ ‬صحتها‭ ‬التي‭ ‬تراجعت‭ ‬بالإجهاد‭. ‬قد‭ ‬نبدأُ‭ ‬بدراسة‭ ‬التخصص‭ ‬الذي‭ ‬تمنينا،‭ ‬لكنَّ‭ ‬الفرصةَ‭ ‬لمْ‭ ‬تُتحْ‭ ‬لنا‭ ‬للدراسة،‭ ‬أو‭ ‬نُتمَّ‭ ‬دراستنا‭ ‬الجامعية‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬شهاداتٍ‭ ‬أعلى،‭ ‬سنبدأُ‭ ‬الآن‭ ‬بمشروعٍ‭ ‬يعودُ‭ ‬علينا‭ ‬بالنفع‭ ‬المادي‭ ‬والمعنوي‭ ‬ويشغلُ‭ ‬أوقاتَ‭ ‬فراغنا،‭ ‬وسنعودُ‭ ‬لممارسةِ‭ ‬هواياتنا‭ ‬التي‭ ‬توقفنا‭ ‬عنها‭ ‬سابقاً‭. ‬بعد‭ ‬التقاعد،‭ ‬سيكون‭ ‬لدينا‭ ‬متسعٌ‭ ‬من‭ ‬الوقت‭ ‬وربما‭ ‬المال‭ ‬لنستكشفَ‭ ‬العالمَ‭ ‬ولنُحلِقَ‭ ‬على‭ ‬أجنحةِ‭ ‬الخيال‭ ‬في‭ ‬رحلاتٍ‭ ‬لا‭ ‬تُنسى‭.‬

مازلنا‭ ‬نستطيعُ‭ ‬القيامَ‭ ‬بالكثير،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬لمْ‭ ‬يتسنَ‭ ‬لنا‭ ‬بعدُ‭ ‬صنعَ‭ ‬شيءٍ‭ ‬يُذْكر‭ ‬أو‭ ‬ذكرياتٍ‭ ‬تبقى،‭ ‬ومع‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬يتوجبُ‭ ‬علينا‭ ‬الانتظار‭ ‬لما‭ ‬بعد‭ ‬التقاعد‭ ‬للقيام‭ ‬بكل‭ ‬ذلك،‭ ‬إذ‭ ‬إننا‭ ‬قادرونَ‭ ‬على‭ ‬تحقيقِ‭ ‬أحلامنا‭ ‬والاهتمام‭ ‬بأنفسنا‭ ‬رغم‭ ‬كلِّ‭ ‬الانشغالِ‭ ‬الذي‭ ‬نحياه،‭ ‬لكننا‭ ‬لا‭ ‬نُنكرُ‭ ‬أنَّ‭ ‬انشغالنا‭ ‬في‭ ‬تحصيلِ‭ ‬أرزاقنا‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكنْ‭ ‬قد‭ ‬منعنا‭ ‬من‭ ‬تحقيقِ‭ ‬أهدافنا‭ ‬الخاصة،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬عطَّلها‭ ‬ولا‭ ‬ريب‭. ‬حياتُنا‭ ‬تبدأ‭ ‬بعد‭ ‬التقاعد،‭ ‬فلنخطط‭ ‬لها‭ ‬جيداً،‭ ‬فالأوانُ‭ ‬لمْ‭ ‬يفُتْ‭ ‬بعد‭.‬