لغة الصمت

| د.حورية الديري

للغة‭ ‬مميزاتها‭ ‬التي‭ ‬تترجم‭ ‬الفكر‭ ‬إلى‭ ‬حروف‭ ‬وكلمات‭ ‬لترتقي‭ ‬بالعلاقات‭ ‬وتسمح‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬لغو‭ ‬بالتقريب‭ ‬أو‭ ‬الترهيب،‭ ‬ولنا‭ ‬نحن‭ ‬البشر‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬قصص‭ ‬وعبر،‭ ‬فما‭ ‬إن‭ ‬يكون‭ ‬الكلام‭ ‬وما‭ ‬ننطق‭ ‬مرسالاً‭ ‬في‭ ‬بلورة‭ ‬التاريخ‭ ‬الحافل‭ ‬لنا‭ ‬بالمآثر،‭ ‬فإن‭ ‬للصمت‭ ‬لغة‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬مجهولة‭ ‬للكثير‭ ‬من‭ ‬الناس،‭ ‬ففي‭ ‬إتقانها‭ ‬نعمة‭ ‬لا‭ ‬يدركها‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬استشعر‭ ‬أسرارها،‭ ‬وحول‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬يحصل‭ ‬معك‭ ‬عزيزي‭ ‬القارئ‭ ‬عندما‭ ‬تقف‭ ‬متأملاً‭ ‬حائرًا‭ ‬أمام‭ ‬لوحة‭ ‬فنية‭ ‬صامتة‭ ‬كي‭ ‬تبني‭ ‬معها‭ ‬علاقة‭ ‬جميلة‭ ‬تكسر‭ ‬ما‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬رهبة‭ ‬الصمت‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تعي‭ ‬معانيها،‭ ‬فنظرتك‭ ‬قد‭ ‬تختلف‭ ‬عما‭ ‬لدى‭ ‬غيرك‭ ‬وحتما‭ ‬عما‭ ‬لدى‭ ‬الفنان‭ ‬الذي‭ ‬أبدع‭ ‬في‭ ‬جعلها‭ ‬فلسفة‭ ‬صامتة‭ ‬تقبل‭ ‬بكل‭ ‬التفسيرات،‭ ‬علها‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬المعنى‭ ‬الحقيقي‭ ‬الذي‭ ‬يخرج‭ ‬اللوحة‭ ‬من‭ ‬صمتها‭ ‬بأفكار‭ ‬وكلمات‭ ‬ناطقة‭. ‬

وبهذا‭ ‬قد‭ ‬نستطيع‭ ‬معرفة‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للغة‭ ‬الصمت‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬حروف‭ ‬لها،‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬اعتقادي‭ ‬الشخصي‭ ‬منهجية‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إبداع‭ ‬في‭ ‬تطبيقها،‭ ‬لأنني‭ ‬أراها‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الإدراك‭ ‬البشري‭ ‬بما‭ ‬تحويه‭ ‬من‭ ‬مضامين‭ ‬ومشاعر‭ ‬تحاكي‭ ‬كل‭ ‬اللغات‭ ‬الأخرى‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وفي‭ ‬ذلك‭ ‬فلسفة‭ ‬تستحق‭ ‬البحث‭ ‬والدراسة،‭ ‬فمازلنا‭ ‬بحاجة‭ ‬ماسة‭ ‬لدراسة‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الظواهر‭ ‬والسلوكيات‭ ‬البشرية،‭ ‬فإن‭ ‬كان‭ ‬البعض‭ ‬يربط‭ ‬الصمت‭ ‬بالسكوت‭ ‬فإنني‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬الصمت‭ ‬حالة‭ ‬متقدمة‭ ‬عن‭ ‬السكوت،‭ ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬السكوت‭ ‬تطول‭ ‬مدته‭ ‬أو‭ ‬تقصر‭ ‬قد‭ ‬يرتبط‭ ‬بالتفكير‭ ‬غالبًا،‭ ‬بينما‭ ‬تحتضن‭ ‬حالة‭ ‬الصمت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المشاعر‭ ‬التي‭ ‬منها‭ ‬التأمل‭ ‬والتحليل‭ ‬المنطقي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬ينفك‭ ‬إلا‭ ‬بولادة‭ ‬إبداعية‭ ‬جديدة،‭ ‬وهنا‭ ‬يتوجب‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نقف‭ ‬جليًا‭ ‬أمام‭ ‬ما‭ ‬يعترينا‭ ‬من‭ ‬مشاعر‭ ‬كي‭ ‬نقترب‭ ‬من‭ ‬ذواتنا‭ ‬أكثر،‭ ‬ففي‭ ‬كل‭ ‬حالة‭ ‬شعور‭ ‬ومعنى‭ ‬لا‭ ‬يجيده‭ ‬إلا‭ ‬صاحبه،‭ ‬وهي‭ ‬سلسلة‭ ‬متنامية‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬التكوين‭ ‬الشخصي‭ ‬وتتطلب‭ ‬خطوات‭ ‬بسيطة‭ ‬من‭ ‬الموازنة‭ ‬بين‭ ‬معنى‭ ‬وآخر،‭ ‬لأننا‭ ‬عندما‭ ‬نتكلم‭ ‬فإننا‭ ‬نعبر‭ ‬عما‭ ‬نريد‭ ‬ونرغب‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الحالات‭ ‬الشعورية‭ ‬والمواقف،‭ ‬لذلك‭ ‬يكون‭ ‬الكلام‭ ‬لنا‭ ‬منهجًا‭ ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬أدعو‭ ‬له‭ ‬اليوم‭ ‬مختلف‭ ‬وجدير‭ ‬بالتجربة،‭ ‬لأنها‭ ‬تجربة‭ ‬لغة‭ ‬الصمت‭ ‬فيها‭ ‬تلتقط‭ ‬صورًا‭ ‬للمواقف‭ ‬والذكريات‭ ‬التي‭ ‬مرت‭ ‬بكم‭ ‬سابقًا،‭ ‬فقط‭ ‬استبدلوا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬كلام‭ ‬لا‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يقال‭ ‬أو‭ ‬يسمع‭ ‬بحالة‭ ‬صمت‭ ‬جديرة‭ ‬بإكساب‭ ‬ذاك‭ ‬الموقف‭ ‬حالة‭ ‬سلام‭ ‬لك‭ ‬ولمن‭ ‬معك‭.‬

حتمًا‭ ‬اقتربت‭ ‬الصورة‭ ‬الآن،‭ ‬ففي‭ ‬الصمت‭ ‬لغة‭ ‬خارقة‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬الهدوء‭ ‬والطمأنينة‭ ‬ونفوسكم‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬تتخطى‭ ‬أي‭ ‬حاجز‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬السمو‭ ‬النفسي،‭ ‬وفي‭ ‬التجربة‭ ‬خير‭ ‬برهان‭.‬