التسامح الديني

| عبدعلي الغسرة

العالم‭ ‬الإسلامي‭ ‬وهو‭ ‬يحتفل‭ ‬بذكرى‭ ‬المولد‭ ‬النبوي‭ ‬الشريف‭ ‬شعر‭ ‬بالقلق‭ ‬تجاه‭ ‬ما‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬ــ‭ ‬الدانمارك‭ ‬سابقًا‭ ‬والآن‭ ‬فرنسا‭ ‬ــ‭ ‬من‭ ‬إساءة‭ ‬إلى‭ ‬النبي‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬عبدالله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وآله‭ ‬وسلم،‭ ‬ومع‭ ‬الأسف‭ ‬الشديد‭ ‬يتم‭ ‬اعتبار‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬مبادئ‭ ‬حرية‭ ‬الرأي‭ ‬والتعبير،‭ ‬وحقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يعدو‭ ‬إساءة‭ ‬لمفهوم‭ ‬الحرية‭ ‬ورؤية‭ ‬سلبية‭ ‬للرأي‭ ‬والتعبير‭.‬

إن‭ ‬الأديان‭ ‬السماوية‭ ‬مصدرها‭ ‬واحد،‭ ‬وإن‭ ‬اختلفت‭ ‬طقوسها‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هدفها‭ ‬واحد‭ ‬وهو‭ ‬عبادة‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى،‭ ‬والإيمان‭ ‬بأي‭ ‬دين‭ ‬يتطلب‭ ‬احترام‭ ‬الأديان‭ ‬الأخرى‭ ‬وإجلال‭ ‬أنبيائها‭ ‬واحترام‭ ‬رموزها،‭ ‬فهل‭ ‬التعرض‭ ‬لأي‭ ‬دين‭ ‬يُمثل‭ ‬صراعًا‭ ‬بين‭ ‬المعتقدات‭ ‬أم‭ ‬أنه‭ ‬صراع‭ ‬سياسي؟‭ ‬لقد‭ ‬دعت‭ ‬جميع‭ ‬الأديان‭ ‬السماوية‭ ‬والأرضية‭ ‬إلى‭ ‬إقامة‭ ‬صلات‭ ‬وثيقة‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬مُريديها،‭ ‬علاقات‭ ‬محبة‭ ‬ورحمة‭ ‬مليئة‭ ‬بالوشائج‭ ‬الإنسانية‭ ‬لتجعلهم‭ ‬معًا‭ ‬في‭ ‬ميدان‭ ‬التسامح‭ ‬والتعايش‭ ‬مع‭ ‬الآخر‭.‬

فالذين‭ ‬يتعرضون‭ ‬للأديان‭ ‬والأنبياء‭ ‬بالإساءة‭ ‬لا‭ ‬يؤمنون‭ ‬إيمانًا‭ ‬كاملًا‭ ‬بما‭ ‬أنزلته‭ ‬السماء‭ ‬من‭ ‬أديان،‭ ‬ويفتقدون‭ ‬ثقافة‭ ‬التسامح،‭ ‬ولا‭ ‬يُحبذون‭ ‬التعايش‭ ‬مع‭ ‬الآخر،‭ ‬ويقصون‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬مُختلف‭ ‬عنهم‭ ‬في‭ ‬الدين‭ ‬والعِرق‭ ‬واللغة،‭ ‬وهُم‭ ‬بعيدون‭ ‬عن‭ ‬قيم‭ ‬التكافل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والإنساني‭.‬

إن‭ ‬تعدد‭ ‬الأديان‭ ‬والمذاهب‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬التقارب‭ ‬لا‭ ‬الابتعاد،‭ ‬التوحد‭ ‬لا‭ ‬الإقصاء‭ ‬والمحبة‭ ‬لا‭ ‬العداء،‭ ‬فتواجد‭ ‬المسجد‭ ‬والكنيسة‭ ‬في‭ ‬جغرافية‭ ‬واحدة‭ ‬يمثل‭ ‬لوحة‭ ‬فسيفساء‭ ‬جميلة‭ ‬تسرُ‭ ‬الناظرين‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الدول،‭ ‬وتُجسد‭ ‬كل‭ ‬المعاني‭ ‬الإنسانية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والاعتقادية‭ ‬للأديان،‭ ‬وتُجسد‭ ‬مبادئ‭ ‬التسامح‭ ‬الديني‭ ‬وقيم‭ ‬التعايش‭ ‬السلمي‭ ‬بين‭ ‬الجميع‭.‬

إن‭ ‬موسى‭ ‬وعيسى‭ ‬ومحمد‭ ‬“عليهم‭ ‬السلام”‭ ‬جميعهم‭ ‬أنبياء‭ ‬الله،‭ ‬وبُعِثوا‭ ‬لهداية‭ ‬العالمين،‭ ‬ونادت‭ ‬هذه‭ ‬الأديان‭ ‬إلى‭ ‬التواصل‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬وربه‭ ‬والتقارب‭ ‬والمودة‭ ‬بين‭ ‬بني‭ ‬البشر،‭ ‬والتسامح‭ ‬والتعايش‭ ‬مع‭ ‬الآخر،‭ ‬وزراعة‭ ‬الخير‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الإنسان‭ ‬وفي‭ ‬أرض‭ ‬الله،‭ ‬فبالمحبة‭ ‬يتعاظم‭ ‬العطاء‭ ‬ويزيد‭ ‬السخاء،‭ ‬وبالمودة‭ ‬تتسع‭ ‬القلوب‭ ‬للآخر‭. ‬ومثلما‭ ‬يحب‭ ‬الآخرون‭ ‬أديانهم‭ ‬وأنبياءهم،‭ ‬كذلك‭ ‬المسلمون‭ ‬أينما‭ ‬كانوا‭ ‬يُقدسون‭ ‬مُعتقدهم‭ ‬الديني‭ ‬ويجلون‭ ‬نبيهم‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬عبدالله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وآله‭ ‬وسلم‭ ‬ويؤمنون‭ ‬بما‭ ‬أرسل‭ ‬الله‭ ‬من‭ ‬أنبياء‭ ‬وبما‭ ‬أنزل‭ ‬مِن‭ ‬كُتب‭ ‬سماوية،‭ ‬والعقلاء‭ ‬منهم‭ ‬لا‭ ‬يَردون‭ ‬على‭ ‬الخطيئة‭ ‬بالخطأ،‭ ‬وشيمة‭ ‬أهل‭ ‬العقل‭ ‬الحكمة‭ ‬والتبصر‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الأمور،‭ ‬وعلاج‭ ‬الأمر‭ ‬بالغضب‭ ‬تكون‭ ‬نتيجته‭ ‬سلبية‭ ‬دائمًا‭.‬