لمحات

ماهية الحرية

| د.علي الصايغ

لعل‭ ‬أغلى‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يمتلكه‭ ‬المرء‭ ‬شيئان‭ ‬“الصحة‭ ‬والحرية”،‭ ‬فبهما‭ ‬يحيا‭ ‬حياة‭ ‬طبيعية،‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬أسوأ‭ ‬المنغصات،‭ ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أنهما‭ ‬متفردان،‭ ‬بل‭ ‬يتربعان‭ ‬على‭ ‬عرش‭ ‬الأكثر‭ ‬أهمية،‭ ‬أما‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالحرية،‭ ‬وهو‭ ‬موضوع‭ ‬مقالي‭ ‬لهذا‭ ‬اليوم،‭ ‬فهناك‭ ‬لبس‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬ما‭ ‬واجتهادات‭ ‬متفرقة‭ ‬حول‭ ‬ماهية‭ ‬الحرية‭ ‬وحدودها،‭ ‬وأعني‭ ‬الحرية‭ ‬الشخصية‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص،‭ ‬فما‭ ‬هي‭ ‬الحدود‭ ‬المسموحة‭ ‬للحرية‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تمتلك‭ ‬حدوداً‭ ‬وضميرها‭ ‬مطلق‭.‬

تأتي‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬وإبداء‭ ‬الرأي‭ ‬ضمن‭ ‬الحريات‭ ‬الشخصية‭ ‬المشروعة‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تنتهج‭ ‬نهجاً‭ ‬ديمقراطياً،‭ ‬ومن‭ ‬المعروف‭ ‬أن‭ ‬لكل‭ ‬ديانة‭ ‬أو‭ ‬جماعة‭ ‬أو‭ ‬طائفة‭ ‬أو‭ ‬كيان‭ ‬أو‭ ‬مجتمع‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬عائلة‭ ‬رموزا‭ ‬وقيادات،‭ ‬تخط‭ ‬حولها‭ ‬الخطوط‭ ‬الحمراء‭ ‬التي‭ ‬قوامها‭ ‬الاحترام‭ ‬والمكانة‭ ‬الرفيعة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬أية‭ ‬إساءة‭ ‬توجه‭ ‬إليهم‭ ‬تعتبر‭ ‬إساءة‭ ‬للجميع،‭ ‬فهل‭ ‬من‭ ‬الحكمة‭ ‬أن‭ ‬تسمح‭ ‬الحرية‭ ‬بالإساءة‭ ‬إلى‭ ‬الآخرين‭ ‬قولاً‭ ‬أو‭ ‬فعلاً؟‭!‬

عرفت‭ ‬الحرية‭ ‬في‭ ‬إعلان‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬الثورة‭ ‬الفرنسية‭ ‬عام‭ ‬1789م‭ ‬بأنها‭ ‬“حق‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يفعل‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يضر‭ ‬بالآخرين”،‭ ‬ونؤكد‭ ‬هنا‭ ‬على‭ ‬عبارة‭ ‬“ما‭ ‬لا‭ ‬يضر‭ ‬بالآخرين”،‭ ‬وأن‭ ‬احترام‭ ‬الآخر‭ ‬وتقديره‭ ‬وعدم‭ ‬المساس‭ ‬به،‭ ‬لهو‭ ‬أسمى‭ ‬مقومات‭ ‬الحرية‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬للجميع‭ ‬قيمة‭ ‬اعتبارية‭ ‬ولا‭ ‬يصح‭ ‬المساس‭ ‬بهم‭ ‬أو‭ ‬الإساءة‭ ‬إليهم،‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬من‭ ‬الاحترام‭ ‬المتبادل،‭ ‬فما‭ ‬بالك‭ ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الجماعة‭ ‬بل‭ ‬الأمة‭ ‬تمثل‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬الملياري‭ ‬شخص‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬فهل‭ ‬تأجيج‭ ‬الإساءة‭ ‬ضدهم‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬الحرية؟‭! ‬

إن‭ ‬مما‭ ‬تعلمناه‭ ‬من‭ ‬ديننا‭ ‬الإسلامي،‭ ‬وحتى‭ ‬ما‭ ‬تدعو‭ ‬إليه‭ ‬باقي‭ ‬الأديان‭ ‬السماوية‭ ‬المتسامحة،‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬الحكمة‭ ‬ألا‭ ‬تعالج‭ ‬الخطأ‭ ‬بالخطأ،‭ ‬وأن‭ ‬لا‭ ‬تؤيد‭ ‬الإضرار‭ ‬بالآخرين‭ ‬أو‭ ‬تدعو‭ ‬للاستمرار‭ ‬في‭ ‬الضرر،‭ ‬فذلك‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬الحرية‭ ‬في‭ ‬شيء،‭ ‬بل‭ ‬ويعد‭ ‬ضرباً‭ ‬من‭ ‬ضروب‭ ‬إشاعة‭ ‬الكراهية‭.‬