أكلت السمكة حتى رأسها

| د.حورية الديري

قالت‭ ‬وبصوت‭ ‬جميل‭ ‬“حتى‭ ‬حتحتت‭ ‬قلبي‭.. ‬حتى‭ ‬لم‭ ‬أجد‭ ‬مكانًا‭ ‬أضع‭ ‬فيه‭ ‬حتى”،‭ ‬قالتها‭ ‬حينما‭ ‬أرادت‭ ‬تفسير‭ ‬ما‭ ‬تفعله‭ ‬كلمة‭ ‬“حتى”‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬العلماء‭ ‬“حتى‭ ‬رأسُها‭.. ‬حتى‭ ‬رأسَها‭.. ‬حتى‭ ‬رأسِها”،‭ ‬ومن‭ ‬حتى‭ ‬تقولبت‭ ‬لدي‭ ‬الذكريات‭ ‬واستحضرت‭ ‬هذا‭ ‬الكلام‭ ‬الجميل‭ ‬الذي‭ ‬ألقته‭ ‬يومًا‭ ‬معلمة‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬دروس‭ ‬القواعد‭ ‬النحوية‭ ‬بالمرحلة‭ ‬الثانوية،‭ ‬تذكرت‭ ‬حينها‭ ‬إيقاعًا‭ ‬غريبًا‭ ‬هز‭ ‬أذنيّ‭ ‬وجعلني‭ ‬أنهض‭ ‬لكتابة‭ ‬ما‭ ‬قالت‭ ‬في‭ ‬أعلى‭ ‬صفحة‭ ‬الكتاب،‭ ‬ذلك‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬كنت‭ ‬أخصصه‭ ‬دائمًا‭ ‬لتدوين‭ ‬بعض‭ ‬الكوتات‭ ‬المهمة‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي،‭ ‬لكنني‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أعلم‭ ‬حينها‭ ‬أنني‭ ‬قد‭ ‬أستخدم‭ ‬تلك‭ ‬العبارة‭ ‬اليوم‭ ‬بعد‭ ‬مضي‭ ‬قدر‭ ‬ليس‭ ‬قليلاً‭ ‬من‭ ‬السنوات،‭ ‬ليس‭ ‬الغريب‭ ‬في‭ ‬أنني‭ ‬تذكرت‭ ‬القول‭ ‬ونجحت‭ ‬في‭ ‬اختبار‭ ‬الذاكرة،‭ ‬لكن‭ ‬الغرابة‭ ‬فيما‭ ‬قاله‭ ‬الفراء‭: ‬“أموت‭ ‬وفي‭ ‬نفسي‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬حتّى؛‭ ‬لأنها‭ ‬تخفض‭ ‬وترفع‭ ‬وتنصب”‭ (‬وفيات‭ ‬الأعيان،‭ ‬6‭: ‬180‭).‬

وهذا‭ ‬يجعلنا‭ ‬نقف‭ ‬قليلاً‭ ‬ونتأمل‭ ‬في‭ ‬وقع‭ ‬الكلمات‭ ‬علينا‭ ‬وتأثيرها‭ ‬الحسي،‭ ‬خصوصا‭ ‬إن‭ ‬صدرت‭ ‬ممن‭ ‬يمتلكون‭ ‬مكانًا‭ ‬وتقديرًا‭ ‬في‭ ‬نفوسنا،‭ ‬فكما‭ ‬أنني‭ ‬مازلت‭ ‬أتذكر‭ ‬ذلك‭ ‬الكلام‭ ‬الجميل‭ ‬لما‭ ‬فعلته‭ ‬كلمة‭ ‬“حتى”‭ ‬ورنينها‭ ‬في‭ ‬نفسي،‭ ‬ففي‭ ‬المقابل‭ ‬نسيت‭ ‬الكثير‭ ‬مما‭ ‬سمعت‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬وحتى‭ ‬مؤخرًا‭ ‬من‭ ‬كلام‭ ‬غير‭ ‬ذي‭ ‬قيمة‭ ‬من‭ ‬أصحابه‭ ‬ولا‭ ‬وزن‭ ‬في‭ ‬إيقاعه‭. ‬ألا‭ ‬ترون‭ ‬معي‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الربط‭ ‬الذي‭ ‬يستحق‭ ‬التأمل‭ ‬هو‭ ‬حكمة‭ ‬ربانية؟‭! ‬فما‭ ‬نمتلك‭ ‬من‭ ‬قدرات‭ ‬هائلة‭ ‬في‭ ‬ترتيب‭ ‬الأولويات‭ ‬السمعية‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يجعلنا‭ ‬نُظهر‭ ‬تأثيراتها‭ ‬السلوكية‭ ‬التي‭ ‬ترتسم‭ ‬معها‭ ‬تعبيراتنا‭ ‬الجسدية‭. ‬وهنا‭ ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬نتمعن‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الحس‭ ‬الإيقاعي‭ ‬في‭ ‬النطق‭ ‬حيث‭ ‬نقع‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬إيقاع‭ ‬فني‭ ‬من‭ ‬الكلمات،‭ ‬ما‭ ‬يجعلنا‭ ‬نتغانم‭ ‬معها‭ ‬بالسمع‭ ‬والتأثر،‭ ‬ونبتعد‭ ‬كل‭ ‬البعد‭ ‬عن‭ ‬الأخذ‭ ‬بأعلاها‭ ‬صوتًا‭ ‬لأنه‭ ‬حتمًا‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ازدحام‭ ‬ووشوشة‭ ‬مزعجة‭ ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬انسجام‭ ‬اللحن‭ ‬والتعبير،‭ ‬فتصرفنا‭ ‬عن‭ ‬أكبر‭ ‬نعمة‭ ‬من‭ ‬نعم‭ ‬الله‭ ‬علينا‭ ‬فيما‭ ‬نمتلك‭ ‬من‭ ‬قدرات‭ ‬تجعلنا‭ ‬نعيش‭ ‬الطرب‭ ‬الرائع‭ ‬والذي‭ ‬ستكون‭ ‬نتائجه‭ ‬أفضل‭ ‬الألحان‭ ‬نرسلها‭ ‬كما‭ ‬نستقبلها‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬أستغرب‭ ‬ممن‭ ‬يتجاهلون‭ ‬هذه‭ ‬الإمكانيات‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يدركونها‭ ‬أصلاً،‭ ‬لا‭ ‬لشيء‭ ‬فيها‭ ‬سوى‭ ‬سيطرة‭ ‬الأعلى‭ ‬صوتًا‭ ‬منها،‭ ‬غير‭ ‬مدركين‭ ‬أهمية‭ ‬الأطرب‭ ‬لحنًا‭ ‬فيها،‭ ‬والآن‭ ‬حتى‭ ‬نرجع‭ ‬إلى‭ ‬عنوان‭ ‬هذا‭ ‬المقال،‭ ‬هل‭ ‬فكرتم‭ ‬يومًا‭ ‬في‭ ‬السبب‭ ‬الذي‭ ‬يجعلنا‭ ‬غالبًا‭ ‬نبدأ‭ ‬بأكل‭ ‬جسم‭ ‬السمكة‭ ‬ونكافئ‭ ‬أنفسنا‭ ‬برأسها‭ ‬حتى‭ ‬لحظات‭ ‬النهاية؟‭.‬