“يا بختي أنا بحريني”

| د.حورية الديري

في‭ ‬مشهد‭ ‬لم‭ ‬أتمكن‭ ‬من‭ ‬الابتعاد‭ ‬عن‭ ‬التأمل‭ ‬في‭ ‬تفاصيله،‭ ‬خصوصا‭ ‬عندما‭ ‬سمعت‭ ‬حديثا‭ ‬بين‭ ‬موظف‭ ‬الاستقبال‭ ‬وشابين،‭ ‬أخ‭ ‬وأخته‭ ‬يتقدمان‭ ‬برغبتهما‭ ‬بالتبرع‭ ‬بالدم،‭ ‬حينها‭ ‬سألهما‭ ‬الموظف‭: ‬هل‭ ‬لديكما‭ ‬مريض‭ ‬معين؟‭ ‬أجابا‭: ‬لا،‭ ‬بعدها‭ ‬استلم‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬استمارة‭ ‬البيانات‭ ‬وبادرا‭ ‬بملئها،‭ ‬فالتفتت‭ ‬عيناي‭ ‬يمينًا‭ ‬وشمالاً‭ ‬لتنقلني‭ ‬إلى‭ ‬مشهد‭ ‬آخر‭ ‬حيث‭ ‬وجود‭ ‬أعداد‭ ‬من‭ ‬المنتظرين‭ ‬لأدوارهم‭ ‬بالتبرع،‭ ‬علني‭ ‬أحصل‭ ‬على‭ ‬مقعد‭ ‬مناسب‭ ‬ونحن‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تطبيق‭ ‬إجراءات‭ ‬التباعد‭ ‬فلم‭ ‬يتوافر‭ ‬لي،‭ ‬فقررت‭ ‬الانتظار‭ ‬خارج‭ ‬القاعة،‭ ‬إلا‭ ‬أنني‭ ‬انتقلت‭ ‬إلى‭ ‬مشهد‭ ‬ثالث‭ ‬وبدأت‭ ‬التأمل‭ ‬الواعي‭ ‬لحصر‭ ‬أعداد‭ ‬المنتظرين‭ ‬في‭ ‬الخارج،‭ ‬لم‭ ‬أتردد‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬الموقف‭ ‬حيث‭ ‬بدأت‭ ‬بالعد‭ ‬من‭ ‬اليمين‭ ‬وأنا‭ ‬أرمق‭ ‬عين‭ ‬كل‭ ‬شخص‭ ‬كي‭ ‬أقيس‭ ‬كمية‭ ‬السعادة‭ ‬التي‭ ‬تجعلهم‭ ‬وقوفا‭ ‬لفترات‭ ‬قد‭ ‬تطول،‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬المشاهد‭ ‬كانت‭ ‬لمدة‭ ‬لا‭ ‬تزيد‭ ‬عن‭ ‬النصف‭ ‬ساعة‭ ‬وتزامنت‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬‮٢٠‬‭ ‬شخصا،‭ ‬حينها‭ ‬لم‭ ‬أستطع‭ ‬التغلب‭ ‬على‭ ‬مشاعري‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬فتحت‭ ‬مفكرة‭ ‬هاتفي‭ ‬لأكتب‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬وبدأت‭ ‬الكلمات‭ ‬تسابقني‭ ‬وفي‭ ‬داخلي‭ ‬غبطة‭ ‬وعزة،‭ ‬تصوروا‭ ‬معي‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المشاهد‭ ‬تحصل‭ ‬يوميًا‭ ‬دون‭ ‬إعلان‭ ‬أو‭ ‬حملات‭ ‬خاصة‭ ‬بالتبرع‭.‬

المغزى‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬التبرع‭ ‬ذاته‭ ‬وما‭ ‬يترتب‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬نفع‭ ‬للمتبرع‭ ‬وإنقاذ‭ ‬لأرواح‭ ‬المرضى،‭ ‬المغزى‭ ‬هنا‭ ‬كبير،‭ ‬وجدير‭ ‬بتلك‭ ‬الوقفة‭ ‬والتأمل‭ ‬والكتابة،‭ ‬وأن‭ ‬تقفوا‭ ‬معي‭ ‬لحظة‭ ‬بلحظة‭ ‬كي‭ ‬تشاركوني‭ ‬المشاعر‭ ‬ذاتها،‭ ‬ارجعوا‭ ‬معي‭ ‬إلى‭ ‬المشاهد‭ ‬التي‭ ‬حصلت‭ ‬ومعها‭ ‬دوافع‭ ‬كل‭ ‬شخص‭ ‬أخذته‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬الإنساني،‭ ‬إنها‭ ‬أرفع‭ ‬قيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬عندما‭ ‬تبادر‭ ‬من‭ ‬نفسك‭ ‬كي‭ ‬تهدي‭ ‬أخاك‭ ‬قطرة‭ ‬دم‭ ‬تنقذ‭ ‬بها‭ ‬حياته،‭ ‬لم‭ ‬أغلق‭ ‬مفكرتي‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظات‭ ‬إلا‭ ‬وأنا‭ ‬أردد‭ ‬“يا‭ ‬بختي‭ ‬يا‭ ‬بختي”‭.‬

فعلا،‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬انعكاس‭ ‬كبير‭ ‬لثقافة‭ ‬المواطن‭ ‬البحريني‭ ‬في‭ ‬حب‭ ‬الخير‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الأزمات،‭ ‬هذا‭ ‬الدرس‭ ‬الذي‭ ‬تعلمته‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬مركز‭ ‬التبرع‭ ‬بالدم‭ ‬بمستشفى‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬الجامعي‭ ‬الذي‭ ‬يعتبر‭ ‬صرحًا‭ ‬رائدًا‭ ‬بخدماته‭ ‬المتميزة،‭ ‬ومعكم‭ ‬نرسل‭ ‬أغلى‭ ‬تحية‭ ‬تقدير‭ ‬للطاقم‭ ‬الطبي‭ ‬والإداري‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المستشفى،‭ ‬ولجميع‭ ‬الشباب‭ ‬المتواجدين‭ ‬لحظتها‭ ‬باعتبارهم‭ ‬مصدر‭ ‬إلهام‭ ‬وقدوة‭ ‬لنا‭ ‬جميعًا‭.‬