بدايات الذكاء الاصطناعي

| د. جاسم حاجي

في‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬قام‭ ‬الخيال‭ ‬العلمي‭ ‬بتعريف‭ ‬العالم‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬الروبوتات‭ ‬الذكية‭ ‬بشكل‭ ‬اصطناعي‭. ‬بدأ‭ ‬الأمر‭ ‬برجل‭ ‬القصدير‭ ‬“بلا‭ ‬القلب”‭ ‬في‭ ‬فيلم‭ ‬“ساحر‭ ‬أوز”،‭ ‬واستمر‭ ‬مع‭ ‬الروبوت‭ ‬المشابه‭ ‬للبشر‭ ‬الذي‭ ‬انتحل‭ ‬شخصية‭ ‬“ماريا”‭ ‬في‭ ‬فيلم‭ ‬“متروبوليس”،‭ ‬وبحلول‭ ‬الخمسينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬كان‭ ‬لدينا‭ ‬جيل‭ ‬من‭ ‬العلماء‭ ‬وعلماء‭ ‬الرياضيات‭ ‬والفلاسفة‭ ‬مع‭ ‬مفهوم‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬الذي‭ ‬تم‭ ‬استيعابه‭ ‬ثقافيًا‭ ‬في‭ ‬أذهانهم‭. ‬أحد‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأشخاص‭ ‬كان‭ ‬“آلان‭ ‬تورينج”،‭ ‬وهو‭ ‬نابغة‭ ‬بريطاني‭ ‬شاب‭ ‬والذي‭ ‬استكشف‭ ‬الإمكانية‭ ‬الرياضية‭ ‬للذكاء‭ ‬الاصطناعي‭. ‬اقترح‭ ‬“تورينج”‭ ‬أنه‭ ‬بما‭ ‬أن‭ ‬البشر‭ ‬يستخدمون‭ ‬المعلومات‭ ‬المتاحة‭ ‬وكذلك‭ ‬المنطق‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬حل‭ ‬المشكلات‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرارات،‭ ‬فلماذا‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬الآلات‭ ‬أن‭ ‬تفعل‭ ‬الشيء‭ ‬نفسه؟‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الإطار‭ ‬المنطقي‭ ‬لبحثه‭ ‬عام‭ ‬1950‭ ‬بعنوان‭ ‬“آلات‭ ‬الحوسبة‭ ‬والذكاء”‭ ‬والذي‭ ‬ناقش‭ ‬فيه‭ ‬كيفية‭ ‬صنع‭ ‬آلات‭ ‬ذكية‭ ‬وكيفية‭ ‬اختبار‭ ‬ذكائها‭.‬

للأسف،‭ ‬فإن‭ ‬الكلام‭ ‬سهل،‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬أوقف‭ ‬“تورينج”‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬حينها؟‭ ‬أولا،‭ ‬أجهزة‭ ‬الكمبيوتر‭ ‬كانت‭ ‬تحتاج‭ ‬لأن‭ ‬تتغير‭ ‬بشكل‭ ‬جذري،‭ ‬وقبل‭ ‬عام‭ ‬1949،‭ ‬كانت‭ ‬أجهزة‭ ‬الكمبيوتر‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬شرط‭ ‬مسبق‭ ‬أساسي‭ ‬للذكاء‭: ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬تخزين‭ ‬الأوامر،‭ ‬بل‭ ‬تنفذها‭ ‬فقط،‭ ‬بمعنى‭ ‬آخر،‭ ‬يمكن‭ ‬إخبار‭ ‬أجهزة‭ ‬الكمبيوتر‭ ‬بما‭ ‬يجب‭ ‬القيام‭ ‬به،‭ ‬ولكنها‭ ‬لن‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تتذكر‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬قامت‭ ‬بفعله،‭ ‬ثانياً،‭ ‬كانت‭ ‬الحوسبة‭ ‬مكلفة‭ ‬للغاية‭. ‬في‭ ‬أوائل‭ ‬الخمسينيات،‭ ‬بلغت‭ ‬تكلفة‭ ‬استئجار‭ ‬الكمبيوتر‭ ‬ما‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬200‭ ‬ألف‭ ‬دولار‭ ‬شهريًا،‭ ‬يمكن‭ ‬فقط‭ ‬للجامعات‭ ‬المرموقة‭ ‬وشركات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الكبرى‭ ‬تحمل‭ ‬تكاليفها،‭ ‬وكانت‭ ‬هناك‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬إثبات‭ ‬جدوى‭ ‬المفهوم‭ ‬وكذلك‭ ‬الدعوة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬شخصيات‭ ‬بارزة‭ ‬لإقناع‭ ‬مصادر‭ ‬التمويل‭ ‬بأن‭ ‬ذكاء‭ ‬الآلة‭ ‬أمر‭ ‬جدير‭ ‬بالمتابعة‭.‬

في‭ ‬الفترة‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬1957‭ ‬إلى‭ ‬1974،‭ ‬ازدهر‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬وأصبح‭ ‬بإمكان‭ ‬أجهزة‭ ‬الكمبيوتر‭ ‬تخزين‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬المعلومات‭ ‬وأن‭ ‬تصبح‭ ‬أسرع‭ ‬وأرخص‭ ‬وأكثر‭ ‬سهولة،‭ ‬تحسنت‭ ‬أيضًا‭ ‬خوارزميات‭ ‬التعلم‭ ‬الآلي‭ ‬وأصبح‭ ‬الناس‭ ‬أفضل‭ ‬في‭ ‬معرفة‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬الخوارزمية‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يقوموا‭ ‬بتطبيقها‭ ‬على‭ ‬مشكلتهم‭.‬

 

‭ ‬كانت‭ ‬الأدلة‭ ‬المبكرة،‭ ‬مثل‭ ‬برنامج‭ ‬حلال‭ ‬المشكلات‭ ‬العام‭ ‬والبرنامج‭ ‬الحاسوبي‭ ‬أليزا‭ ‬واعدة‭ ‬نحو‭ ‬أهداف‭ ‬حل‭ ‬المشكلات‭ ‬وتفسير‭ ‬اللغة‭ ‬المنطوقة‭ ‬على‭ ‬التوالي‭. ‬هذه‭ ‬النجاحات،‭ ‬وكذلك‭ ‬الدعوة‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬الباحثين‭ ‬أقنعت‭ ‬الوكالات‭ ‬الحكومية‭ ‬مثل‭ ‬وكالة‭ ‬مشاريع‭ ‬البحوث‭ ‬المتطورة‭ ‬الدفاعية‭ ‬التابعة‭ ‬لوزارة‭ ‬الدفاع‭ ‬الأميركية‭ ‬لتمويل‭ ‬أبحاث‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬مؤسسات‭.‬