إيران ومعارك الكونجرس الأميركي (2)

| سالم الكتبي

مسألة‭ ‬تقييد‭ ‬صلاحيات‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬العسكري‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الكونجرس‭ ‬من‭ ‬ضمن‭ ‬الأمور‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬مجالاً‭ ‬للنقاش،‭ ‬فالدستور‭ ‬الأميركي‭ ‬يمنح‭ ‬الرئيس‭ ‬صلاحية‭ ‬إصدار‭ ‬أمر‭ ‬بالقيام‭ ‬بعمل‭ ‬عسكري‭ ‬على‭ ‬أراضي‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬إعلان‭ ‬الحرب،‭ ‬الذي‭ ‬يملكه‭ ‬الكونجرس‭ ‬بمفرده،‭ ‬وحدد‭ ‬الدستور‭ ‬مدى‭ ‬زمنيا‭ ‬لهذه‭ ‬العمليات‭ ‬بحدود‭ ‬60‭ ‬يوماً‭ ‬قابلة‭ ‬للزيادة‭ ‬عند‭ ‬الضرورة‭ ‬إلى‭ ‬30‭ ‬يوماً‭ ‬أخرى،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يقدم‭ ‬الرئيس‭ ‬تقريراً‭ ‬للكونجرس‭ ‬يوضح‭ ‬فيه‭ ‬مبررات‭ ‬كافية‭ ‬لاتخاذ‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭.‬

الشواهد‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الرؤساء‭ ‬الأميركيين‭ ‬يستخدمون‭ ‬عادة‭ ‬صلاحياتهم‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬ضربات‭ ‬عسكرية‭ ‬محدودة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬موافقة‭ ‬مسبقة‭ ‬من‭ ‬الكونجرس،‭ ‬ونتذكر‭ ‬جميعاً‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬القريب‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الوقائع،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬موضع‭ ‬إجماع‭ ‬أميركي،‭ ‬فلا‭ ‬يكاد‭ ‬يوجد‭ ‬رئيس‭ ‬أميركي‭ ‬في‭ ‬العقدين‭ ‬الأخيرين‭ ‬لم‭ ‬يأمر‭ ‬بالقيام‭ ‬بعمل‭ ‬عسكري‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬موافقة‭ ‬مسبقة‭ ‬من‭ ‬الكونجرس،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فالمسألة‭ ‬ليست‭ ‬عابرة‭ ‬ولا‭ ‬طارئة‭ ‬في‭ ‬الساحة‭ ‬الأميركية‭. ‬ورغم‭ ‬ما‭ ‬يثار‭ ‬بشأن‭ ‬مخاوف‭ ‬الديمقراطيين‭ ‬من‭ ‬توسع‭ ‬الصراع‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬وانتقاله‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬فعلية،‭ ‬فإن‭ ‬هناك‭ ‬أيضاً‭ ‬من‭ ‬الشواهد‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬رغبتهم‭ ‬في‭ ‬تقييد‭ ‬سلطات‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬قدر‭ ‬الإمكان‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬يحقق‭ ‬أي‭ ‬انتصار‭ ‬في‭ ‬سياسته‭ ‬الخارجية‭ ‬بما‭ ‬يرجح‭ ‬كفته‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬صراع‭ ‬الفوز‭ ‬بولاية‭ ‬رئاسية‭ ‬ثانية‭ ‬في‭ ‬انتخابات‭ ‬نوفمبر‭ ‬المقبل‭.‬

نقاشات‭ ‬الكونجرس‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬لن‭ ‬تعرقل‭ ‬على‭ ‬الأرجح‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬الأزمة‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬ينوي‭ ‬بأي‭ ‬حال‭ ‬إعلان‭ ‬حرب‭ ‬ضد‭ ‬الملالي،‭ ‬ويستغل‭ ‬فقط‭ ‬سلطاته‭ ‬الدستورية‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬الأميركية‭ ‬باعتباره‭ ‬قائداً‭ ‬عاماً‭ ‬لها،‭ ‬ومن‭ ‬صلاحياته‭ ‬الأمر‭ ‬بتنفيذ‭ ‬عمل‭ ‬عسكري‭ ‬محدود،‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬المدى‭ ‬الزمني‭ ‬المتاح‭ ‬للرئيس‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬بشكل‭ ‬محدود‭ ‬وإبقاء‭ ‬الجنود‭ ‬الأميركيين‭ ‬خارج‭ ‬البلاد،‭ ‬أي‭ ‬فترة‭ ‬الشهرين‭ ‬القابلة‭ ‬للزيادة‭ ‬لشهر‭ ‬ثالث،‭ ‬كافية‭ ‬جداً‭ ‬لردع‭ ‬أي‭ ‬تهديد‭ ‬خارجي‭ ‬يعرض‭ ‬مصالح‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬للخطر‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الرهان‭ ‬الحصري‭ ‬على‭ ‬استراتيجية‭ ‬الضربات‭ ‬الصاروخية‭ ‬المحدودة‭ ‬اعتماداً‭ ‬على‭ ‬التفوق‭ ‬العسكري‭ ‬الأميركي‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الخصوم‭ ‬الاستراتيجيين،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬للكونجرس‭ ‬القيام‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشأن‭ ‬هو‭ ‬رفض‭ ‬أي‭ ‬طلب‭ ‬لتمويل‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬الإضافية،‭ ‬وتبقى‭ ‬للرئيس‭ ‬صلاحيات‭ ‬وسلطات‭ ‬واسعة‭ ‬في‭ ‬تقدير‭ ‬مدى‭ ‬تعرض‭ ‬مصالح‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬للتهديد‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬قوى‭ ‬أجنبية،‭ ‬حيث‭ ‬يتعين‭ ‬عليه‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬الرد‭ ‬العسكري‭ ‬مع‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بإخطار‭ ‬الكونجرس،‭ ‬الذي‭ ‬يقول‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬إنه‭ ‬لا‭ ‬يمكنه‭ ‬إبلاغه‭ ‬بالقرارات‭ ‬بشكل‭ ‬مسبق‭ ‬نظراً‭ ‬لفقدان‭ ‬الثقة‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬الديمقراطيين‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬تحديداً‭.‬

الخلاصة‭ ‬أن‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬على‭ ‬الأرجح‭ ‬إلى‭ ‬تفويض‭ ‬من‭ ‬الكونجرس‭ ‬للرد‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬تهديد‭ ‬إيراني‭ ‬محتمل‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬المتبقية‭ ‬من‭ ‬ولايته‭ ‬الرئاسية‭ ‬الأولى،‭ ‬ويبقى‭ ‬الموضوع‭ ‬مجالاً‭ ‬للسجال‭ ‬السياسي‭ ‬الداخلي‭ ‬الأميركي‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تأثير‭ ‬حقيقي‭ ‬على‭ ‬فاعلية‭ ‬استخدام‭ ‬الرئيس‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬الأميركية‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن‭. ‬“إيلاف”‭.‬