إلى متى؟

| د. عباس ناصر العمران

حسناً،‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬نبدأ‭ ‬حكايتنا‭ ‬لهذا‭ ‬اليوم؟‭ ‬أعرفُ‭ ‬جيداً‭ ‬المكان‭ ‬والزمان‭ ‬والراوي‭ ‬والعقدة‭ ‬والشخصيات‭ ‬والفكرة،‭ ‬وهي‭ ‬عناصرُ‭ ‬الرواية‭ ‬الأساسية،‭ ‬بالمختصر‭ ‬حكايتي‭ ‬ليست‭ ‬وسوسة‭ ‬من‭ ‬الشيطان‭ ‬الرجيم‭ ‬اللعين‭.‬

كان‭ ‬الاتصال‭ ‬متكرراً‭ ‬ولم‭ ‬أكن‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬الإجابة‭ ‬على‭ ‬مكالمته‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬لانشغالي‭ ‬بعدة‭ ‬أمور‭ ‬في‭ ‬وقتٍ‭ ‬واحد،‭ ‬فآثرتُ‭ ‬عدم‭ ‬الرد‭ ‬لكي‭ ‬لا‭ ‬يشعر‭ ‬بعجلتي‭ ‬وانشغالي‭ ‬عنه،‭ ‬فبعثت‭ ‬رسالة‭ ‬نصية‭ ‬أخبرتهُ‭ ‬فيها‭ ‬أنني‭ ‬“سأعاودُ‭ ‬الاتصال‭ ‬بك‭ ‬في‭ ‬أقربِ‭ ‬فرصة”‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬بالفعل‭. ‬التقينا‭ ‬في‭ ‬مكانٍ‭ ‬عام‭ ‬وبعد‭ ‬السؤالِ‭ ‬عن‭ ‬الأحوال‭ ‬والأخبار‭ ‬بادرتهُ‭ ‬بالسؤال‭: ‬كيف‭ ‬هو‭ ‬عملك‭ ‬الحالي؟‭ ‬فرد‭ ‬علي‭ ‬إن‭ ‬الأمور‭ ‬لا‭ ‬تسير‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يرام،‭ ‬وهو‭ ‬أمرٌ‭ ‬ليس‭ ‬جديدا‭.‬

ابتُليَ‭ ‬صاحبنا‭ ‬بمديرٍ‭ ‬متعجرف،‭ ‬وفقير‭ ‬في‭ ‬الأسلوبِ‭ ‬والعلم‭ ‬والأخلاق،‭ ‬فتراهُ‭ ‬يبذلُ‭ ‬قُصارى‭ ‬جهده‭ ‬ليبين‭ ‬قوة‭ ‬شخصيته‭ ‬الخارقة‭ ‬بطرقٍ‭ ‬يَعرفها‭ ‬الضالعون‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬جيداً‭ ‬وهي‭ ‬ما‭ ‬سماها‭ ‬علماء‭ ‬النفس‭ ‬بالحيلِ‭ ‬الدفاعية‭ ‬اللاشعورية‭ ‬التي‭ ‬يسعى‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬لتخفيف‭ ‬مشاعر‭ ‬الإحباط‭ ‬والتوتر‭ ‬النفسي‭ ‬المؤلم،‭ ‬والمتولدة‭ ‬داخلياً‭ ‬نتيجة‭ ‬جهله‭ ‬وضعفه‭.‬

منها‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لا‭ ‬الحصر‭: ‬التكوين‭ ‬العكسي،‭ ‬وهي‭ ‬حيلة‭ ‬يبدي‭ ‬فيها‭ ‬الشخص‭ ‬أحاسيس‭ ‬مغايرة‭ ‬لمشاعره‭ ‬الحقيقية،‭ ‬قد‭ ‬نعرف‭ ‬شخصا‭ ‬ونعرف‭ ‬أنه‭ ‬يكرهنا،‭ ‬لكن‭ ‬دائماً‭ ‬يتصرف‭ ‬وكأنه‭ ‬أحد‭ ‬أفضل‭ ‬أصدقائنا،‭ ‬يقولُ‭ ‬صاحب‭ ‬قصة‭ ‬اليوم‭ ‬إن‭ ‬مسؤوله‭ ‬كان‭ ‬يتقن‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الحيل‭ ‬ويصعبُ‭ ‬عليك‭ ‬الشك‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يبديه‭ ‬من‭ ‬محبة‭ ‬تجاهك،‭ ‬لكنهُ‭ ‬يضمرُ‭ ‬عكس‭ ‬ما‭ ‬يظهر،‭ ‬وينجلي‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬إقصائك‭ ‬عن‭ ‬الترقيات‭ ‬والمكافآت،‭ ‬بل‭ ‬الأكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬يُعرقل‭ ‬الفرص‭ ‬التي‭ ‬تساقُ‭ ‬إليك‭ ‬ويبعدها‭.‬

السؤال‭ ‬هنا‭ ‬عزيزي‭ ‬القارئ،‭ ‬كم‭ ‬مسؤولا‭ ‬بهذا‭ ‬المستوى‭ ‬واجهت؟‭ ‬ولماذا‭ ‬يستمر‭ ‬هؤلاء‭ ‬في‭ ‬مناصبهم‭ ‬لمدةٍ‭ ‬طويلة؟‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬آثار‭ ‬التجاوزات‭ ‬الإدارية‭ ‬التي‭ ‬يُمارسونها‭ ‬على‭ ‬المؤسسة‭ ‬والعباد؟‭.‬