أنسنة

لطفي نصر... الكاتب والوالد والمدرسة

| رجاء مرهون

وترجل‭ ‬أستاذنا‭ ‬الكبير‭ ‬لطفي‭ ‬نصر‭ ‬عن‭ ‬جواده،‭ ‬تاركا‭ ‬وراءه‭ ‬قلمه‭ ‬وأوراقه‭ ‬وصحيفة‭ ‬البحرين‭ ‬اليومية‭ ‬الأولى‭ ‬“أخبار‭ ‬الخليج”‭ ‬التي‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬تأسيسها‭ ‬ووضع‭ ‬لبناتها‭ ‬لتظل‭ ‬صرحا‭ ‬إعلاميا‭ ‬حتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭ ‬بفضل‭ ‬جهوده،‭ ‬فهو‭ ‬الذي‭ ‬يشرف‭ ‬على‭ ‬تفاصيلها‭ ‬يوميا‭ ‬ولا‭ ‬يغادر‭ ‬مكاتبها‭ ‬حتى‭ ‬ترسل‭ ‬للمطبعة.

‬الأفكار‭ ‬مبعثرة‭ ‬أمام‭ ‬خسارة‭ ‬الكاتب‭ ‬الكبير،‭ ‬والكلمات‭ ‬تائهة‭ ‬أمام‭ ‬وجع‭ ‬فقد‭ ‬الوالد‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬علمنا‭ ‬الكثير‭ ‬والكثير‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬الصحافة،‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬أبدأ‭ ‬كلماتي‭ ‬هذه‭ ‬في‭ ‬رثائه؟‭ ‬هل‭ ‬أبدأ‭ ‬من‭ ‬لطفي‭ ‬نصر‭ ‬الإنسان؟‭ ‬وهو‭ ‬أساس‭ ‬للأدوار‭ ‬الصحافية‭ ‬والأبوية؟‭ ‬أم‭ ‬أنطلق‭ ‬من‭ ‬لطفي‭ ‬المدرسة‭ ‬والمعلم‭ ‬بما‭ ‬منح‭ ‬من‭ ‬مهارات‭ ‬ومعارف‭ ‬لأجيال‭ ‬من‭ ‬الصحافيين؟

التقيت‭ ‬الأستاذ‭ ‬لطفي‭ ‬نصر‭ ‬أول‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬‮2008‬‭ ‬داخل‭ ‬مكاتب‭ ‬صحيفة‭ ‬“الأولى”،‭ ‬بدا‭ ‬متوجسا‭ ‬مني‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الأمر،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الوضع‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تغير،‭ ‬وتحول‭ ‬إلى‭ ‬معلم‭ ‬متحمس‭ ‬لنمو‭ ‬“نبتته‭ ‬الصغيرة”،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬حامياً‭ ‬مسانداً‭ ‬لتلميذته‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تخطو‭ ‬خطواتها‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬تسوده‭ ‬حدة‭ ‬المنافسة‭ ‬آنذاك.

‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬لطفي‭ ‬نصر،‭ ‬تعلمت‭ ‬أن‭ ‬“الصحافي‭ ‬الشاطر”‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬تكليفا‭ ‬أو‭ ‬توجيها‭ ‬نحو‭ ‬قضية‭ ‬أو‭ ‬موضوع‭ ‬ما‭ ‬ليتحرك،‭ ‬ولا‭ ‬يحتاج‭ ‬أيضا‭ ‬لما‭ ‬يعرف‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الصحافة‭ ‬بـ‭ ‬“تخصيص‭ ‬مصادر‭ ‬أو‭ ‬جهات”‭ ‬ليتولى‭ ‬المحرر‭ ‬متابعتها‭ ‬واستقاء‭ ‬الأخبار‭ ‬منها،‭ ‬فالصحافي‭ ‬الجيد‭ ‬مصدره‭ ‬الشارع‭ ‬أو‭ ‬السوق‭ ‬مثلا‭.‬

وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬الإنساني‭ ‬والأبوي،‭ ‬تعلمت‭ ‬من‭ ‬مدرسة‭ ‬لطفي‭ ‬نصر‭ ‬أن‭ ‬البحرين‭ ‬وطن‭ ‬لا‭ ‬يتحمل‭ ‬استقطاباتِ‭ ‬حادة‭ ‬أو‭ ‬تطرف‭ ‬في‭ ‬المواقف‭ ‬مهما‭ ‬بدت‭ ‬منطقية،‭ ‬وتعلمت‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬“أرزاق‭ ‬الناس‭ ‬خط‭ ‬أحمر”،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬مدافعا‭ ‬شرسا‭ ‬ضد‭ ‬أية‭ ‬قرارات‭ ‬تأديبية‭ ‬قد‭ ‬تحمل‭ ‬خصومات‭ ‬مالية‭ ‬من‭ ‬مستحقات‭ ‬الزملاء‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬أخطاؤهم،‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬لطفي‭ ‬نصر،‭ ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬الصحافة‭ ‬لا‭ ‬ترتبط‭ ‬بأسماء‭ ‬مؤسسات‭ ‬بعينها،‭ ‬فظل‭ ‬محفزا،‭ ‬فخورا‭ ‬بما‭ ‬أكتب‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬غادرت‭ ‬“أخبار‭ ‬الخليج”‭ ‬نحو‭ ‬مواقع‭ ‬أخرى،‭ ‬فاتحا‭ ‬باب‭ ‬مكتبه‭ ‬أمام‭ ‬تلميذته‭ ‬وابنته‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬وقت،‭ ‬داعما‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬داخل‭ ‬بلاط‭ ‬صاحبة‭ ‬الجلالة‭ ‬وخارجه‭ ‬أيضا‭.‬

 

اللهم‭ ‬إني‭ ‬أسألك‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬المباركة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬الفضيل‭ ‬أن‭ ‬تشمل‭ ‬أستاذي‭ ‬ووالدي‭ ‬ومعلمي‭ ‬لطفي‭ ‬نصر‭ ‬بواسع‭ ‬رحمتك‭ ‬وأن‭ ‬تسكنه‭ ‬فسيح‭ ‬جناتك‭.‬