تمكين الشباب في مملكة البحرين بين الإطار القانوني ورؤية البحرين الاقتصادية 2030
| د. ندى الرياشي
يمثل تمكين الشباب أحد المرتكزات الأساسية لبناء الدولة الحديثة، إذ لم يعد يُنظر إلى الشباب بوصفهم فئة عمرية تحتاج إلى الرعاية فحسب، وإنما باعتبارهم شركاء في صناعة القرار ومحركًا رئيسيًا للتنمية المستدامة. وانطلاقًا من هذا المفهوم، أولت مملكة البحرين اهتمامًا بالغًا بالشباب، عبر منظومة تشريعية ومؤسسية واستراتيجية متكاملة، تنسجم مع رؤية البحرين الاقتصادية 2030، وتترجم التوجيهات الملكية الرامية إلى الاستثمار في الإنسان باعتباره الثروة الوطنية الحقيقية. ويستند تمكين الشباب في البحرين إلى مفهوم قانوني يتجاوز مجرد توفير فرص العمل، ليشمل ضمان حقهم في التعليم والتدريب، وتنمية المهارات، والمشاركة في الحياة العامة، وتشجيع الابتكار وريادة الأعمال، بما يعزز مبدأ تكافؤ الفرص ويرسخ العدالة الاجتماعية، كما تجسد المؤسسات الوطنية المعنية بالشباب هذا التوجه من خلال برامج وسياسات تستهدف إعداد جيل قادر على قيادة المستقبل والمنافسة في الاقتصاد القائم على المعرفة. وتأتي رؤية البحرين الاقتصادية 2030 لتؤكد هذا النهج، حيث ترتكز على ثلاثة مبادئ رئيسية هي: الاستدامة، والعدالة، والتنافسية، وهي مبادئ لا يمكن تحقيقها دون تمكين الشباب وإشراكهم في عملية التنمية، فالرؤية تنظر إلى رأس المال البشري باعتباره المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي، الأمر الذي يجعل الاستثمار في الشباب استثمارا في مستقبل الدولة بأكملها. وفي الإطار التنفيذي، تشكل الاستراتيجية الوطنية لتمكين الشباب (2023–2028) خارطة طريق لتطوير العمل الشبابي، من خلال توفير بيئة محفزة للإبداع والابتكار، وتنمية القدرات القيادية والمهنية، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وربط مخرجات التأهيل باحتياجات سوق العمل، بما يحقق التكامل بين السياسات العامة وأهداف رؤية البحرين الاقتصادية 2030. كما تعكس المبادرات الوطنية، ومن أبرزها “مدينة الشباب 2030”، التطبيق العملي لفلسفة التمكين، إذ توفر برامج تدريبية وتطويرية تسهم في صقل المهارات، واكتشاف المواهب، وتعزيز ثقافة الابتكار وريادة الأعمال، بما يهيئ الشباب للمشاركة الفاعلة في التنمية الوطنية. ومن منظور قانوني، فإن تمكين الشباب يعد التزامًا على عاتق الدولة، ينسجم مع المبادئ الدستورية التي تكفل تنمية الموارد البشرية، وتوفير الفرص المتكافئة للمواطنين، كما يتوافق مع أهداف التنمية المستدامة، ولا سيما تلك المتعلقة بالتعليم الجيد، والعمل اللائق، والنمو الاقتصادي، وبناء مؤسسات فعالة وشاملة. وفي الختام، فإن تجربة مملكة البحرين في تمكين الشباب تؤكد أن التنمية لا تتحقق بالتشريعات وحدها، وإنما بتكامل الرؤية مع الاستراتيجية والتنفيذ، وكلما أُتيحت للشباب فرص أكبر للمشاركة والابتكار وصناعة القرار، ازدادت قدرة الدولة على تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز تنافسيتها إقليميًا ودوليًا، وهو ما يجعل تمكين الشباب خيارًا استراتيجيًا وأحد أهم الضمانات القانونية لمستقبل أكثر ازدهارًا واستدامة.