دور المحاسبة الخضراء في تحقيق أهداف التنمية المستدامة

| د. نورة عبدالرحمن

في ظل التقدم الذي يشهده العالم، ونظرًا للتحديات البيئية المتزايدة التي نواجهها اليوم، لم يعد بإمكان المؤسسات والشركات في مختلف القطاعات الاقتصادية تجاهل أثرها البيئي، أو التعامل مع قضايا التنمية المستدامة كمسائل ثانوية. إن إيجاد الحلول لمشكلات التلوث البيئي والتغير المناخي وتحقيق تنمية مستدامة يتطلب تكاتف جهود الأطراف كافة، وفي مقدمتها قطاع الأعمال. من هنا، ظهر مفهوم “المحاسبة الخضراء” كأداة رئيسة من نموذج متكامل، يهدف إلى تتبع الأداء البيئي للشركات والمؤسسات، وقياس أثرها البيئي والاجتماعي والاقتصادي.  فما هي المحاسبة الخضراء؟ تعرف أيضًا بالمحاسبة البيئية، وهي نظام محاسبي يقوم على دمج التكاليف والعوائد البيئية ضمن العمليات المحاسبية التقليدية. ويمكن تعريفها بشكل تفصيلي على أنها مجموعة من الأنشطة الخدمية التي تهتم بالتأثير البيئي للشركات والمؤسسات عند ممارسة نشاطها، من خلال نظام معلومات محاسبية تقوم بقياس وتحليل التكاليف والمنافع البيئية، بالإضافة إلى الإفصاح عن المعلومات البيئية، لتتمكن المؤسسات من تقييم أثر أنشطتها في البيئة وتحسين اتخاذ القرارات على هذا الأساس. حاجة المؤسسات والشركات إلى المحاسبة الخضراء تنبثق حاجة المؤسسات والشركات إلى المحاسبة الخضراء من ازدياد الوعي بالمسؤولية البيئية للشركات، من قبل الجهات التنظيمية، والأسواق المالية، حتى المستهلكين، فلم يعد الامتثال للتشريعات البيئية -سواء الدولية أو المحلية- أمرًا اختيارًا بل بات ضرورة قانونية. بالإضافة إلى ذلك، فالمحاسبة الخضراء تسهم في تعزيز الشفافية، عبر إعداد تقارير بيئية دقيقة لأصحاب المصلحة وللمستثمرين، ما يرفع مستوى الثقة وينعكس إيجابًا على سمعة المنشأة ومكانتها. كما أن لهذه الآلية دور في تحسين الكفاءة وتقليل التكاليف، من خلال تحديد جوانب الهدر بالطاقة أو الموارد، ما يدعم قدرة المنشأة على المنافسة في بيئة أعمال سريعة التغير. علاقة المحاسبة الخضراء بأهداف التنمية المستدامة في العام 2015 أطلقت “الأمم المتحدة” أجندة التنمية المستدامة 2030، التي تضم 17 هدفًا يسعى لتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، والاستدامة البيئية. ويمكن ربط المحاسبة الخضراء بعدد من هذه الأهداف، منها: الهدف 7 (طاقة نظيفة وبأسعار معقولة): من خلال مراقبة استهلاك الطاقة وتحديد فرص الترشيد. الهدف 12 (الاستهلاك والإنتاج المسؤولان): من خلال رصد كميات النفايات والحد من الأثر البيئي لعمليات الإنتاج.  الهدف 13 (العمل المناخي): من خلال تقييم وقياس الأثر البيئي، وتقديم البيانات اللازمة لاتخاذ القرارات المستدامة. الهدف 15 (الحياة في البر): من خلال تحديد الأثر البيئي للأنشطة التي تضر بالنظم البيئية البرية وتحديد التكاليف المرتبطة بها. لذا، فإن دور المحاسب لم يقد مقتصرًا على إعداد القوائم المالية، بل أصبح شريكًا في صياغة السياسات البيئية للشركات. المحاسب اليوم أصبح مطالبًا بفهم مؤشرات الأداء البيئي، وتحليل بيانات الاستهلاك والانبعاثات، وإعداد تقارير الاستدامة التي توضح الأثر البيئي للمنشأة. التحديات على الرغم من تزايد أهمية المحاسبة الخضراء، فإن تعميم هذه المنهجية لا يزال يواجه بعض التحديات والصعوبات، ومن أبرزها: - نقص الكفاءات المؤهلة في المحاسبة البيئية. - غياب معايير موحدة عالميًا لقياس البيانات البيئية وتسجيلها، على رغم وجود بعض المبادرات مثل “GRI”. - التكاليف الأولية العالية لتطبيق أنظمة القياس البيئي الدقيق. وعلى رغم هذه التحديات، فإن المكاسب الناتجة عن تطبيق المحاسبة الخضراء تفوق تكلفتها، ولا سيما في ظل التحولات الاقتصادية التي تمنح الأفضلية للمؤسسات ذات المسؤولية البيئية في التمويل والتعاون. ختامًا، إن المحاسبة الخضراء لم تعد خيارًا ثانويًا، بل أصبحت ضرورة في ظل التحولات البيئية والتشريعية والاقتصادية، لما لها من دور في دعم التنمية المستدامة وتعزيز كفاءة المؤسسات. كما يتوجب على مؤسسات التعليم العالي إدماج هذا المجال في مناهجها لإعداد جيل من المحاسبين يجمع بين الكفاءة المهنية والوعي البيئي.