كلفة الهدنة الهشة: الندبة الاقتصادية المباشرة بعد توقف الحرب على إيران (6/7)

| عبيدلي العبيدلي

ومن المتوقع أيضا أن تعيد الحرب الاعتبار إلى السياسات الصناعية والاستراتيجية. فالكثير من الدول ستكتشف أن الاعتماد المفرط على السوق العالمية في السلع الحساسة قد يكون مصدر خطر، لا مصدر كفاءة فقط. ولذلك ستزداد الدعوات إلى توطين بعض الصناعات الحيوية، وتوسيع الطاقة التخزينية، وبناء شبكات بديلة للتوريد، وتقليل الاعتماد على ممرات محددة. وهذا لا يعني نهاية العولمة، لكنه يعني انتقالها إلى صيغة أكثر تحفظا وأعلى كلفة. فالعولمة المقبلة لن تُبنى فقط على مبدأ الأقل كلفة، بل على مبدأ الأكثر أمنا واستدامة. وفي هذا السياق، ستواجه الدول المستوردة للطاقة والغذاء تحديات أشد من غيرها. فهذه الدول ستكون مطالبة بإعادة النظر في أمنها الاقتصادي من زاوية أكثر واقعية. لم يعد كافيًا أن تمتلك عقود استيراد أو علاقات تجارية جيدة؛ بل يجب أن تمتلك خططا للطوارئ، ومخزونات استراتيجية، ومصادر بديلة، وسياسات دعم مرنة، وقدرة على حماية الفئات الضعيفة من تقلبات الأسعار. وإذا لم تفعل ذلك، فإن أي هزة جديدة في الخليج أو في أي ممر حيوي آخر ستتحول سريعًا إلى أزمة معيشية داخلية. أما دول الخليج، فإن الحرب تضعها أمام اختبار مزدوج. فمن جهة، تؤكد أهميتها المركزية في سوق الطاقة العالمي، وتذكر العالم بأن أمن الخليج هو جزء من أمن الاقتصاد الدولي. ومن جهة أخرى، تكشف أن الاعتماد على النفط والممرات البحرية يجعل المنطقة نفسها مكشوفة أمام مخاطر مرتفعة. لذلك فإن تعزيز الأمن الاقتصادي الخليجي لن يتحقق فقط بحماية المنشآت النفطية والممرات البحرية، بل بتسريع التنويع الاقتصادي، وتعميق الصناعات المحلية، وتطوير الخدمات اللوجستية، وتعزيز الأمن الغذائي، وبناء قطاعات إنتاجية أقل عرضة لتقلبات النفط والحرب. فالمستقبل الاقتصادي للمنطقة لن يتحدد بسعر البرميل وحده، بل بقدرتها على أن تكون مركزًا آمنًا ومستقرًا ومتعدد الموارد.

أما الاقتصاد الإيراني، فسيبقى أحد مفاتيح الاستقرار أو القلق في المرحلة التالية. فإذا تحولت الهدنة إلى انفراج اقتصادي منظم، فقد تستعيد إيران جزءًا من صادراتها النفطية، وتبدأ في ترميم بعض قطاعاتها المتضررة، وتفتح نافذة محدودة للتعامل المالي والتجاري. لكن إذا بقيت الهدنة معلقة على شروط غامضة أو تنفيذ متعثر، فإن الاقتصاد الإيراني سيظل تحت ضغط مزدوج: ضغط داخلي ناتج عن التضخم والبطالة وتراجع العملة، وضغط خارجي ناتج عن العقوبات والشكوك وضعف الثقة. وفي هذه الحالة، قد يصبح الاقتصاد الإيراني نفسه مصدرًا جديدًا لعدم الاستقرار، لأن المجتمعات التي لا ترى عائدًا اقتصاديًا للهدنة قد تفقد ثقتها في جدواها.  على المستوى الدولي، ستدفع الحرب المؤسسات المالية والاقتصادية إلى إعادة تقييم مخاطر الشرق الأوسط في نماذجها وتوقعاتها. لن تنظر الأسواق إلى التوتر في الخليج بوصفه حدثًا سياسيًا بعيدًا، بل بوصفه متغيرًا مباشرًا في التضخم العالمي، والنمو، والفائدة، والتجارة. وهذا سيجعل المنطقة حاضرة بصورة أكبر في قرارات البنوك المركزية، وشركات التأمين، وصناديق الاستثمار، وشركات الطاقة، ومؤسسات التمويل الدولية. وبذلك يصبح الأمن الاقتصادي للشرق الأوسط جزءًا من الأمن الاقتصادي العالمي، لا ملفًا إقليميًا منفصلًا. ومن المرجح أن تترك هذه الحرب أثرًا دائمًا نسبيًا في طريقة تفكير الشركات العالمية. فالشركة التي كانت تقيس الكفاءة فقط بسرعة الشحن وانخفاض الكلفة ستبدأ في قياسها أيضًا بقدرة السلسلة على الصمود عند الأزمات. والشركة التي كانت تعتمد على مورد واحد أو ممر واحد ستفكر في بدائل. والمستثمر الذي كان ينظر إلى العائد وحده سيضيف إلى حساباته معيارًا أكبر للمخاطر الجيوسياسية. هذه التحولات قد لا تظهر دفعة واحدة، لكنها ستعيد تشكيل جزء من الاقتصاد الدولي في السنوات التالية. غير أن الخطر الأكبر يكمن في أن يتحول الأمن الاقتصادي إلى ذريعة لمزيد من الانغلاق والمنافسة الحادة بين الدول. فإذا فهمت الدول الأمن الاقتصادي بوصفه اكتفاءً ذاتيًا كاملًا أو قطيعة مع التجارة العالمية، فإن النتيجة ستكون ارتفاعًا أكبر في الكلفة، وتراجعًا في الكفاءة، وربما مزيدًا من التوتر. أما إذا فُهم الأمن الاقتصادي بوصفه قدرة على التنويع، والمرونة، والتعاون، وإدارة المخاطر، فقد يخرج العالم من هذه الحرب بنظام اقتصادي أكثر توازنًا وقدرة على الصمود. وفي النهاية، فإن مصير الاقتصاد الدولي بعد الهدنة المؤقتة سيتحدد بسؤال جوهري: هل ستنجح الأطراف في تحويل الهدنة إلى استقرار اقتصادي، أم ستبقى الهدنة مجرد توقف مؤقت يسمح للأسواق بالتقاط الأنفاس قبل موجة قلق جديدة؟ إذا تحقق المسار الأول، فقد يشهد العالم تعافيًا تدريجيًا، وانخفاضًا في علاوة المخاطر، وتحسنًا في التجارة والطاقة والتمويل. أما إذا تحقق المسار الثاني، فسوف تستمر الحرب بصيغ غير عسكرية: في أسعار النفط، وفي أقساط التأمين، وفي كلفة الحاويات، وفي قرارات الفائدة، وفي تحفظ المستثمرين، وفي موازنات الدول. لذلك، فإن الدرس النهائي لهذه الحرب هو أن الأمن الاقتصادي لم يعد ترفًا أو ملحقًا بالسياسة الاقتصادية، بل أصبح شرطًا من شروط البقاء والاستقرار. فالدول التي لا تؤمن طاقتها، وغذاءها، وممراتها، وتمويلها، وسلاسل إمدادها، ستظل مكشوفة أمام صدمات لا تحتاج إلى احتلال أراضيها كي تضعفها. كما أن الاقتصاد الدولي، مهما بلغ من الترابط والتقدم، يظل هشًا إذا اعتمد على نقاط اختناق محدودة، وممرات مهددة، وثقة قابلة للانهيار عند أول أزمة. لقد صمتت البنادق، لكن الاقتصاد الدولي لم يغادر ساحة الحرب بالكامل. ما زال يسمع صداها في سعر البرميل، وفي وثيقة التأمين، وفي قرار البنك المركزي، وفي فاتورة المستهلك، وفي حسابات المستثمر. ولذلك فإن الهدنة، حتى لو كانت ضرورية، ليست نهاية الخسارة، بل بداية امتحان جديد: امتحان قدرة العالم على تحويل الخوف إلى سياسات أمن اقتصادي أكثر نضجًا، وتحويل التهدئة المؤقتة إلى استقرار قابل للاستمرار، قبل أن تتحول الهدنة الهشة إلى مجرد فاصلة قصيرة بين أزمة وأخرى.

‭* ‬خبير‭ ‬إعلامي