هل الجيل “زد” مسرف؟!
| د. إحسان علي بوحليقة
للوهلة الأولى تبدو الأجيال الشابة أكثر ميلا إلى الاقتراض الاستهلاكي بمعدلات أعلى وفي مراحل مبكرة من حياتها مقارنة بالأجيال السابقة عند الأعمار نفسها، حيث يعتمد جيل Z (مواليد تقريبا 1997 - 2012) على بطاقات الائتمان والقروض الشخصية بمستويات أعلى مما فعله جيل الألفية (مواليد تقريبا 1981 - 1996) في المرحلة العمرية ذاتها قبل عشر سنوات؛ إذ بلغت نسبة من لديهم بطاقة ائتمان واحدة على الأقل بين النشطين ائتمانياً من جيل Z نحو 84 %، مقارنة بـ61 % فقط لدى جيل الألفية في العمر المقابل، مع ارتفاع في أرصدة الديون ومعدلات التأخر عن السداد. السؤال: هل هذا دليل على أن الشباب أكثر “إسرافا” أو “استهلاكا”؟ أم أن هذا الاتجاه هو نتيجة توفر خيارات ومنتجات ائتمانية لم تكن متاحة للأجيال السابقة، وصاحب ذلك توسع الوصول إلى الائتمان الرقمي، وتغير أنماط الاستهلاك لدى الشباب في العديد من الاقتصادات المتقدمة والناشئة على حد سواء. ولتجنب التعميم، ماذا عن النمط في السعودية؟ تشير البيانات الرسمية الأحدث من البنك المركزي السعودي (ساما) إلى أن قروض بطاقات الائتمان نمت بوتيرة سريعة وصلت إلى 11 % سنوياً، لكن هذا يشمل الجميع، شيباً وشباباً. إذن، هناك ما قد يشير إلى أنها ظاهرة عامة، فهي بالتأكيد مستويات مرتفعة تاريخياً، وهي تعكس استمرار الطلب على التمويل الاستهلاكي في ظل بيئة تنظيمية أكثر صرامة وارتفاع نسبي في أسعار الفائدة. وعند التمعن في البيانات يتضح أن هناك ضغطاً استهلاكياً على الدخل المتاح؛ إذ يمكن الاستخلاص من مسح دخل وإنفاق واستهلاك الأسرة الصادر عن الهيئة العامة للإحصاء لعام 2023، أن متوسط الدخل الشهري المتاح للتصرف للأسر في المملكة بلغ 11,839 ريالا، وصل متوسط الإنفاق الاستهلاكي الشهري إلى 10,884 ريالا. هذه الأرقام تؤكد استمرار ضغط الاستهلاك على الدخل المتاح، وهو نمط لوحظ سابقاً في مسوح 2007 - 2018 حيث نما الإنفاق بمعدلات أعلى بكثير من نمو الدخل، وهنا يكمن تحدي الانفاق على قدر الدخل أم انفق ما في الجيب ليأتي ما في الغيب! وعند مقارنة الأجيال داخل السعودية، يتضح أن جيل الألفية وجيل Z أكثر انخراطاً في طلب القروض الاستهلاكية من الجيل X (مواليد تقريبا 1965 - 1980) والأجيال الأكبر. ولعل مردّ ذلك أن الأجيال السابقة نشأت في بيئة ائتمان محدودة ومنتجات مالية أقل تنوعا، مع ثقافة أكثر تحفظاً تجاه الدين الاستهلاكي، أما جيل الشباب الحالي فيستفيد من التوسع الكبير في الخدمات الرقمية والشركات القائمة على التقنية المالية ومنها شركات التمويل الاستهلاكي المصغر، التي وصل عددها المرخص إلى 77 شركة بحلول منتصف 2026، إضافة إلى انتشار خدمات “اشتر الآن وادفع لاحقا”. وبحكم وزنها في الهرم السكاني، فالتركيبة السكانية الشابة تعزز هذا الاتجاه، فالفئات دون سن 35 عام تشكل جل السكان. في المحصلة الشباب السعودي أكثر طلبا للقروض الاستهلاكية من الأجيال السابقة، شانه في ذلك لم شأن الجيل Z عالمياً؛ ولا يقتصر الأمر على زيادة حجم وتراكم الديون، بل أظهرت التقارير أن الجيل زد يسجل معدلات تعثر (Delinquency Rates) أعلى في سداد التزاماته (خاصة القروض الشخصية وبطاقات الائتمان) مقارنة بما كان عليه جيل الألفية قبل عشر سنوات، هذا التعثر المبكر يفرض تحديات كبيرة على قدرتهم المستقبلية في بناء سجل ائتماني قوي، مما قد يعيق قدرتهم على الاستثمار وتملك الأصول الكبرى مثل العقارات. وليس تبريرا، ولكن من باب التحليل، فهناك دلائل تشير إلى أن هذا السلوك ناتج عن تضافر عوامل العرض الائتماني الموسع والتحولات الاقتصادية والاجتماعية، وليس مجرد إسراف فردي. يبقى التحدي في موازنة بين متطلبات الحياة ومغريات الاستهلاك وبين تحفيز الادخار وتعزيز الثقافة المالية لتجنب تراكم مخاطر خدمة الدين على المدى الطويل. ولعل النصيحة الذهبية هي الانفاق على قدر الدخل، والاتجاه إلى أن “أي ريالٍ توفرهُ هو ريال كسبته”.
مؤسس مركز جواثا الاستشاري