القهوة والشاي تحت المجهر.. الفوائد الطبية والمحاذير اليومية
| د.سيد محمود القلاف
بالنسبة لمليارات البشر في جميع أنحاء العالم، لا يبدأ اليوم حقا دون فنجان ساخن من القهوة أو الشاي، ولفئة كبيرة من الناس فإن عجلة اليوم لا تدور إلا بتناول قدح آخر أو أكثر من الشاي أو القهوة بمختلف أنواعها وخلطاتها. تشير التقديرات إلى أن حوالي 90 بالمئة من البالغين يستهلكون الكافيين يوميا. ولكن بينما تواصل هذه المشروبات تغذية إيقاع الحياة اليومي، يتساءل العلماء بشكل متزايد: هل نمضي في طريقنا نحو صحة أفضل ونحن نستهلك الشاي والقهوة، أم أننا نسلك درب الخطر؟ الإجابة، كما يبدو، معقدة بشكل مدهش؛ فنحن هنا بين جانبين متناقضين تماما: جانب مظلم مرتبط بالإفراط، وجانب آخر مشرق مرتبط بالاعتدال، وذلك ما أثبتته الدراسات الصحية. تاريخيا، تحول الشاي والقهوة من مقويات روحية ومحلية إلى قوى اقتصادية عالمية هائلة غذّت بعض الامبراطوريات والثورات الفكرية، على الرغم من أن صعودهما كان مصحوبا باستمرار بمخاوف وهواجس طبية غريبة. وبينما كان أباطرة الصين القدماء يؤمنون بالشاي كإكسير لإطالة العمر، وكان المتصوفة في الشرق الأوسط يستخدمون القهوة لإعانتهم على السهر للعبادة ليلا، فإن النقاد في أوروبا الغربية كثيرا ما شيطنوا كلا المشروبين واعتبروهما سموما خطيرة. فقد سرت شائعات تاريخية تزعم أن للقهوة تأثيرا سلبيا على الرحم، أو تسبب الشلل الدائم، أو تثبط نمو الأطفال، الأمر الذي أدى إلى ظهور حركات معارضة شرسة مثل “عريضة النساء ضد القهوة” عام 1674 في لندن، والتي ادعت أنها تصيب الرجال بالعجز. وفي الوقت نفسه، واجه الشاي موجة هجوم خاصة به؛ حيث اتهمه بعض الكُتّاب الأوروبيين في القرن الثامن عشر بالتسبب في تسوس الأسنان، وتدمير الجهاز العصبي، وتحفيز الراديكالية السياسية والفساد الأخلاقي بين أبناء الطبقة العاملة الذين تجرأوا على شربه بدلاً من العمل. ورغم قرون من هذه الأساطير الصحية العجيبة، فإن العلم الحديث دحض هذا الذعر تماماً، وأثبت أن كلا المشروبين - عند تناولهما باعتدال - غنيان في الواقع بمركبات قد تطيل العمر وتدعم صحة التمثيل الغذائي، والقلب والأوعية الدموية، والقدرات الإدراكية. إن مكونات الشاي والقهوة تجعلهما أداتين قويتين لمد الجسم بالطاقة وتعزيز العافية. وسواء كان الشاي أخضر، أو أسود، أو أبيض، أو أولونغ، فإن جميع الأنواع التقليدية تنحدر من نبات واحد وهو كاميليا سينينسيس (Camellia sinensis)، مما يعني أنها تشترك في الكنز نفسه من الخصائص الصحية، وعلى رأسها البوليفينول والكاتيكين واللذان يدعمان الصحة من خلال خصائص مضادة للالتهاب ومضادة للأكسدة. وغالباً ما يتفوق الشاي الأخضر في قوة مضادات الأكسدة، بينما يبقى الشاي الأسود خياراً مفيداً واقتصادياً. ويعمل الحمض الأميني (L-theanine) مع الكافيين لتوفير طاقة سلسة دون توتر (يحتوي الشاي عموماً على نسبة كافيين أقل من القهوة). تشير الأدلة العلمية المتراكمة إلى أن الاستهلاك المعتدل للقهوة والشاي قد يوفر فوائد صحية كبيرة، فقد خلصت مراجعة شاملة نُشرت عام 2025 في دورية Nutrients إلى أن تناول القهوة بكميات معتدلة نَفْعُه أكثر من ضرره عبر مجموعة واسعة من النتائج الصحية. ويُقصد بالمعتدل عادة ما بين ثلاثة إلى أربعة أكواب يوميا (حوالي 400 ملغ من الكافيين). ومن الفوائد الصحية للقهوة والشاي ما يلي: • صحة القلب والأوعية الدموية: على الرغم من المخاوف القديمة من أن القهوة قد تضر بالقلب، تروي الأبحاث الحديثة قصة مختلفة؛ فقد وجدت دراسة نُشرت عام 2025 في مجلة European Heart Journal أن استهلاك القهوة المعتدل يرتبط بانخفاض خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم، والسكري من النوع الثاني، والنوبات القلبية، واضطرابات النظم القلبي، وفشل القلب، والوفيات الإجمالية. وبالمثل، تم تسليط الضوء على الشاي، وخاصة الأخضر منه، لآثاره الوقائية على القلب والأوعية الدموية، بما في ذلك خفض ضغط الدم وتحسين مستويات الكوليسترول. • الحماية من السرطان: ربما تكون الأدلة المتعلقة بالسرطان هي الأكثر إثارة للإعجاب، فقد وجد تحليل شامل لأكثر من 40 ألف مريض بالسرطان أن تناول كميات عالية من القهوة أو الشاي ارتبط بانخفاض خطر تطور السرطان بنسبة 24 %. وأظهر استهلاك الشاي تأثيراً وقائياً أقوى، مع انخفاض الخطر بنسبة 36 %. كما ارتبط استبدال المشروبات الأخرى بالقهوة أو الشاي غير المحلّى بانخفاض بنسبة تصل إلى 5 % في معدلات الإصابة الإجمالية بالسرطان والوفيات الناجمة عنه. • صحة الدماغ: الفوائد المعرفية فيما يخص الشاي والقهوة لا تقل إقناعاً، فقد وجدت دراسة يابانية أن الأفراد الذين يتناولون كوبين إلى ثلاثة أكواب من الشاي الأخضر يومياً كانوا أقل عرضة بشكل ملحوظ للتدهور المعرفي، كما أظهرت أبحاث بريطانية أن الاستهلاك المعتدل للقهوة والشاي قد يكون عاملا وقائيا ضد التراجع الإدراكي لدى المستهلكين. • صحة الكبد والتمثيل الغذائي: ارتبط استهلاك القهوة والشاي أيضاً بانخفاض ترسب الدهون الكبدية وتليف الكبد. كما رُبط الاستهلاك المعتدل للقهوة بانخفاض معدلات الإصابة بالسكري من النوع الثاني بفضل تحسين حساسية الأنسولين وتنظيم السكر في الدم. يوفر كلا المشروبين (وحتى القهوة منزوعة الكافيين) مضادات أكسدة تقدم الفوائد سالفة الذكر وإن بدرجات متفاوتة. وتظهر البيانات أن القهوة قد تكون أقوى في تقليل خطر السكري والأمراض العصبية، بينما يتميز الشاي بدعمه اللطيف للترطيب وضغط الدم. لا يوجد مشروب أفضل بشكل مطلق، بل يعتمد الأمر على التحمل الشخصي والذوق ونمط الحياة، وكثيرون يستمتعون بكليهما. تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الجمع بين القهوة والشاي قد يوفر فوائد تآزرية؛ فقد كشفت دراسة نُشرت عام 2025 في مجلة British Journal of Nutrition أنه عندما يتجاوز إجمالي السوائل اليومي أربعة أكواب، فإن استبدال الماء العادي بالقهوة أو الشاي - وخاصة بنسبة تقريبية (2:3 قهوة إلى شاي) - ارتبط بأدنى خطر للوفيات الإجمالية، والسرطان، وأمراض القلب والأوعية الدموية. فيما يلي بعض الآثار الجانبية المحتملة التي قد تصاحب الإفراط في تناول الشاي والقهوة، حيث إن الاعتدال في استهلاكهما ضروري جداً - كما أسلفنا: • صحة العظام: تشير بعض الدراسات إلى زيادة خطر الكسور لدى النساء عند الاستهلاك المفرط. • النوم والقلق: قد يسبب تناول الكافيين في وقت متأخر اضطراباً في النوم وزيادة التوتر. وينصح الخبراء بتقليل الكافيين إلى 200 ملغ يومياً أثناء الحمل لتجنب مخاطر انخفاض وزن الجنين أو الولادة المبكرة. وكذلك يحذرون من أن إضافة السكر أو الكريمة بكميات كبيرة قد تلغي الفوائد المتوخاة للشاي والقهوة. وقد يفضل مرضى الارتجاع المعدي المريئي أو اضطرابات ضربات القلب الشاي أو القهوة الخالية من الكافيين. وتختلف استجابة الأفراد بحسب العوامل الوراثية والحالات الصحية والأدوية. إن الجدال التاريخي بين القهوة والشاي هو في الواقع خلاف وهمي، فالمشروبان يستحقان مكانة مرموقة في قائمة العادات الصحية؛ وطالما أن المستهلك يتحكم في الكمية التي يستهلكها منهما، وكذلك في كمية السكر المضاف، ويراعي جدول نومه وإشارات جسده، فإن رفع الكوب نخبًا للصحة لم يكن يوماً أكثر واقعية وفائدة مما هو عليه الآن.
أكاديمي وعضو مؤسس بجمعية الصيادلة البحرينية