الشركات العائلية وتعيين التنفيذيين من خارج العائلة

| د. عبدالقادر ورسمه

تلعب‭ ‬الشركات‭ ‬العائلية‭ ‬دورا‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬اقتصاد‭ ‬الدول‭ ‬خاصة‭ ‬وأنها‭ ‬تمارس‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المهام‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬لها‭ ‬المجتمعات‭ ‬بصفة‭ ‬دائمة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الاستغناء‭ ‬عنها‭. ‬إضافة‭ ‬لمساهمتها‭ ‬بفعالية‭ ‬في‭ ‬توظيف‭ ‬أعداد‭ ‬كبيرة‭ ‬وتقديم‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭ ‬المناسبة‭. ‬وفي‭ ‬العادة،‭ ‬تبدأ‭ ‬الشركات‭ ‬العائلية‭ ‬بصورة‭ ‬متواضعة‭ ‬بمجهودات‭ ‬الآباء‭ ‬والأجداد‭ ‬وتستمر‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬حتى‭ ‬يتم‭ ‬توارثها‭ ‬جيلا‭ ‬عن‭ ‬جيل‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬المشوار‭ ‬قد‭ ‬تزدهر‭ ‬بعضها‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الوقت،‭ ‬قد‭ ‬يسقط‭ ‬بعضها‭ ‬في‭ ‬الطريق،‭ ‬وتتعدد‭ ‬الأسباب‭.  ‬

الكثير‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬الشركات‭ ‬العائلية‭ ‬يعتقدون‭ ‬عدم‭ ‬أهمية‭ ‬الاستعانة‭ ‬بأي‭ ‬أشخاص‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬العائلة‭ ‬لأن‭ ‬الأمر‭ ‬يخص‭ ‬العائلة‭ ‬فقط‭. ‬إضافة‭ ‬إلي‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يشعر‭ ‬بأن‭ ‬الاستعانة‭ ‬بالكفاءات‭ ‬“الخارجية”‭ ‬ربما‭ ‬يقود‭ ‬إلي‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬دورهم‭ ‬والاستغناء‭ ‬عنهم‭ ‬وإبعادهم‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬السلطات‭ ‬في‭ ‬الشركة‭. ‬وأيضا،‭ ‬يعتقد‭ ‬بعضهم‭ ‬أن‭ ‬للعائلة‭ ‬منهج‭ ‬خاص‭ ‬وعادات‭ ‬متوارثة‭ ‬وأسرار‭ ‬دفينة‭ ‬وأصول‭ ‬متجذرة‭ ‬برائحة‭ ‬دم‭ ‬وعرق‭ ‬الآباء‭ ‬مما‭ ‬يستوجب‭ ‬الحفاظ‭ ‬عليها‭ ‬كأولوية‭ ‬قصوى‭ ‬وأن‭ ‬إدخال‭ ‬“الغرباء”‭ ‬ربما‭ ‬يستبعد‭ ‬هذه‭ ‬الأولويات‭ ‬لعدم‭ ‬فهمها‭ ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬لا‭ ‬يستوعبونها‭ ‬لخصوصيتها‭. ‬

إن‭ ‬مبادئ‭ ‬حوكمة‭ ‬الشركات،‭ ‬تنادي‭ ‬بأسس‭ ‬جديدة‭ ‬لإدارة‭ ‬الشركات‭ ‬وتتضمن‭ ‬موجهات‭ ‬متعلقة‭ ‬بالشركات‭ ‬العائلية‭ ‬وهذا‭ ‬يتطلب‭ ‬تعيين‭ ‬كفاءات‭ ‬لإدارة‭ ‬الشركات‭ ‬العائلية‭ ‬لضمان‭ ‬استمرارها‭ ‬لعدة‭ ‬أجيال‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬أدى‭ ‬ذلك‭ ‬للاستعانة‭ ‬بالغرباء‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬العائلة‭. ‬والمبدأ‭ ‬هنا،‭ ‬وجود‭ ‬الكفاءات‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬علاقة‭ ‬الدم‭ ‬العائلية‭ ‬لأن‭ ‬الكفاءة‭ ‬هي‭ ‬المعيار‭ ‬السليم‭ ‬وليس‭ ‬درجة‭ ‬العلاقة‭ ‬الدموية‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬الدرجة‭ ‬الأولي‭ ‬أو‭ ‬الثانية‭.‬

ومما‭ ‬تهدف‭ ‬إليه‭ ‬الحوكمة‭ ‬الفصل‭ ‬التام‭ ‬في‭ ‬الإدارة‭ ‬بين‭ ‬العلاقة‭ ‬الشخصية‭ ‬والعلاقة‭ ‬المهنية‭ ‬المؤسسية‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬توفر‭ ‬هذا‭ ‬الفصل‭ ‬يجعل‭ ‬التنفيذي‭ ‬الإداري‭ ‬ينظر‭ ‬بصورة‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬المصالح‭ ‬وتضاربها‭ ‬لتحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬الشركة‭ ‬ككيان‭ ‬قائم‭ ‬بذاته‭. ‬والمعيار‭ ‬هنا،‭ ‬هل‭ ‬الأولوية‭ ‬للشركة‭ ‬كمؤسسة‭ ‬قائمة‭ ‬بذاتها‭ ‬أم‭ ‬الألولوية‭ ‬تظل‭ ‬للعائلة‭ ‬أولا‭. ‬هذا‭ ‬قد‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬القرارات‭ ‬مثلا‭ ‬قضية‭ ‬الجندرة‭ ‬حيث‭ ‬يظهر‭ ‬استئثار‭ ‬الذكور‭ ‬بالهيمنة‭ ‬علي‭ ‬إدارة‭ ‬الشركة‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬الكفاءات‭ ‬الأنثوية‭ ‬المقتدرة‭ ‬إذا‭ ‬أتيح‭ ‬لها‭ ‬المجال‭. ‬وهنا،‭ ‬وجود‭ ‬التنفيذي‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬العائلة‭ ‬في‭ ‬الهرم‭ ‬الإداري‭ ‬للشركة‭ ‬يعني‭ ‬وجود‭ ‬نظرة‭ ‬مختلفة‭ ‬ومستقلة‭ ‬عما‭ ‬يراه‭ ‬التنفيذي‭ ‬من‭ ‬العائلة‭. ‬والأمثلة‭ ‬التي‭ ‬تبين‭ ‬تضارب‭ ‬المصالح‭ ‬أو‭ ‬تناقضها‭ ‬كثيرة‭ ‬مما‭ ‬قد‭ ‬يتطلب‭ ‬وجود‭ ‬تفكير‭ ‬مستقل‭ ‬وبعيد‭ ‬عن‭ ‬المؤثرات‭ ‬العائلية‭. 

إن‭ ‬موضوع‭ ‬التوارث‭ ‬وانتقال‭ ‬السلطة‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬لجيل‭ ‬يعتبر‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬المشاكل‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬معظم‭ ‬الشركات‭ ‬العائلية،‭ ‬وذلك‭ ‬لعدم‭ ‬وجود‭ ‬الرؤية‭ ‬الواضحة‭ ‬والخطط‭ ‬المسبقة‭ ‬لتنظيم‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬أو‭ ‬للسكوت‭ ‬التام‭ ‬عنه‭. ‬وفي‭ ‬رأينا‭ ‬ان‭ ‬الموضوع‭ ‬يعتبر‭ ‬من‭ ‬النقاط‭ ‬الهامة‭ ‬التي‭ ‬تدعم‭ ‬وجود‭ ‬الكفاءات‭ ‬التنفيذية‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬العائلة‭ ‬لأن‭ ‬وجودها‭ ‬يساعد‭ ‬في‭ ‬الاستمرارية‭ ‬لحين‭ ‬تجاوز‭ ‬مرحلة‭ ‬التوارث‭ ‬والانتقال‭ ‬أو‭ ‬لحين‭ ‬أعداد‭ ‬الكوادر‭ ‬الجديدة‭ ‬من‭ ‬العائلة‭ ‬لتسلق‭ ‬السلم‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الشركة‭. ‬وكل‭ ‬هذا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الشفافية‭ ‬والإفصاح‭ ‬اللازمين‭ ‬كشروط‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬حوكمة‭ ‬الشركات‭.‬

إن‭ ‬نجاح‭ ‬دور‭ ‬التنفيذي‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬العائلة‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬لقناعة‭ ‬أفراد‭ ‬العائلة‭ ‬فقط‭ ‬ونظرتهم‭ ‬الايجابية‭ ‬لمساعدة‭ ‬هذا‭ ‬الفرد‭ ‬لتحقيق‭ ‬مهمته‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الشخص‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬انتهاج‭ ‬السبل‭ ‬الكفيلة‭ ‬بمساعدته‭ ‬لتنفيذ‭ ‬دوره‭ ‬بنجاح‭. ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬السبل‭ ‬مثلا،‭ ‬عليه‭ ‬التعمق‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬التراث‭ ‬العائلي‭ ‬المرتبط‭ ‬بالشركة‭ ‬لدرجة‭ ‬تقمصه‭ ‬لهذا‭ ‬الدور‭ ‬وهذا‭ ‬قطعا‭ ‬سيجعله‭ ‬قريبا‭ ‬من‭ ‬أفراد‭ ‬العائلة‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الفكرية‭. ‬ومع‭ ‬التشبع‭ ‬بهذا‭ ‬الدور‭ ‬عليه‭ ‬معرفة‭ ‬نقاط‭ ‬القوة‭ ‬التي‭ ‬يمكنه‭ ‬الاعتماد‭ ‬عليها‭ ‬مع‭ ‬ضرورة‭ ‬معرفة‭ ‬كيفية‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬القوة،‭ ‬فمثلا‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬للأم‭ ‬أو‭ ‬الأخت‭ ‬الكبيرة‭ ‬مفعول‭ ‬السحر‭ ‬في‭ ‬الآخرين،‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬يقولون‭ ‬ربما‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬يعد‭ ‬“الحساء‭ ‬المحبوب”،‭ ‬وهنا‭ ‬ربما‭ ‬يكون‭ ‬مناقشتها‭ ‬في‭ ‬الموضوع‭ ‬أمر‭ ‬هام‭ ‬لأخذ‭ ‬رأيها‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬دفعها‭ ‬للتأثير‭ ‬على‭ ‬الآخرين‭. ‬بمثل‭ ‬هذه‭ ‬التصرفات‭ ‬الحكيمة‭ ‬يستطيع‭ ‬التنفيذي‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬العائلة‭ ‬النجاح‭ ‬وإثبات‭ ‬نجاحه‭ ‬بطريقة‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬بطعم‭ ‬أو‭ ‬برائحة‭ ‬مختلفة‭ ‬لأفراد‭ ‬العائلة‭.  ‬

الشركات‭ ‬العائلية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬وتنظر‭ ‬في‭ ‬تجارب‭ ‬الآخرين‭ ‬مع‭ ‬استقطاب‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يمكن‭ ‬الاستفادة‭ ‬منه‭ ‬لتلاقح‭ ‬الأفكار‭ ‬المتنوعة‭ ‬وبلورة‭ ‬الرؤى‭ ‬بصورة‭ ‬مشتركة،‭ ‬ولهذا‭ ‬تفتح‭ ‬عقلها‭ ‬وقلبها‭ ‬للآخرين‭ ‬ووضع‭ ‬كرسي‭ ‬لمن‭ ‬تختارهم‭ ‬في‭ ‬الطاولة‭ ‬العائلية‭ ‬وتكون‭ ‬الوجبة‭ ‬مشتركة‭ ‬يستفيد‭ ‬منها‭ ‬الجميع‭ ‬خاصة‭ ‬الشركة‭ ‬صاحبة‭ ‬الدعوة‭. ‬وكمثال،‭ ‬شركة‭ ‬تويوتا‭ ‬العائلية‭ ‬العملاقة‭ ‬يستقطبون‭ ‬الكفاءات‭ ‬النادرة‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬العائلة‭ ‬ويمنحونهم‭ ‬اسم‭ ‬العائلة‭ ‬ويضعوهم‭ ‬في‭ ‬قيادة‭ ‬الشركة،‭ ‬وهذا‭ ‬من‭ ‬أسباب‭ ‬نجاحهم‭ ‬الظاهر‭ ‬للعيان‭.‬

‭* ‬المستشار‭ ‬والخبير‭ ‬القانوني