نهاية عصر الفروع... هل تبتلع الرقمنة البنوك التقليدية؟

| طارق بورسلي

في‭ ‬زاوية‭ ‬هادئة‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬شوارع‭ ‬المدينة‭ ‬المزدحمة،‭ ‬يقف‭ ‬فرع‭ ‬بنك‭ ‬عريق‭ ‬بجدرانه‭ ‬الرخامية‭ ‬وأعمدته‭ ‬الضخمة،‭ ‬لكن‭ ‬الزائر‭ ‬يلحظ‭ ‬شيئا‭ ‬غريبا‭: ‬القاعات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تضج‭ ‬بالعملاء‭ ‬والضجيج‭ ‬الورقي‭ ‬باتت‭ ‬شبه‭ ‬خالية‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬وعلى‭ ‬بُعد‭ ‬ضغطة‭ ‬زر‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬“الجيب”‭ ‬هناك‭ ‬ملايين‭ ‬العمليات‭ ‬المالية‭ ‬التي‭ ‬تُجرى‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬عبر‭ ‬تطبيقات‭ ‬الهواتف‭ ‬الذكية‭. ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬يلخص‭ ‬تساؤلا‭ ‬جوهريا‭ ‬يتردد‭ ‬في‭ ‬أروقة‭ ‬المنتديات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وهو‭ ‬“هل‭ ‬نحن‭ ‬بصدد‭ ‬إعلان‭ ‬الوفاة‭ ‬التدريجية‭ ‬للبنوك‭ ‬التقليدية؟”‭. ‬في‭ ‬البداية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فصل‭ ‬المال‭ ‬عن‭ ‬السياسة،‭ ‬فالمنطقة‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬صراعات‭ ‬محتدمة‭ ‬شهدت‭ ‬تحولا‭ ‬اضطراريا‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬الأفراد‭ ‬المالي‭. ‬الحروب‭ ‬والأزمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لم‭ ‬تكتفِ‭ ‬بهز‭ ‬استقرار‭ ‬العملات،‭ ‬بل‭ ‬دفعت‭ ‬المواطن‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬“ملاذات‭ ‬رقمية”‭ ‬تتجاوز‭ ‬الحدود‭ ‬المادية‭. ‬لقد‭ ‬أثبتت‭ ‬الأزمات‭ ‬أن‭ ‬البنوك‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬بنية‭ ‬رقمية‭ ‬مرنة‭ ‬هي‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬يسقط‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬العزلة،‭ ‬بينما‭ ‬استمرت‭ ‬البنوك‭ ‬“الذكية”‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬خدماتها‭ ‬العابرة‭ ‬للقارات‭ ‬والظروف‭.‬

إذ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الذهاب‭ ‬للبنك‭ ‬“مشوارا”‭ ‬يتطلب‭ ‬تنسيقا‭ ‬زمنيا،‭ ‬فاليوم‭ ‬تستطيع‭ ‬فتح‭ ‬حساب‭ ‬استثماري،‭ ‬وتحويل‭ ‬الأموال‭ ‬دوليا،‭ ‬والحصول‭ ‬على‭ ‬موافقة‭ ‬ائتمانية‭ ‬وأنت‭ ‬تحتسي‭ ‬قهوتك‭ ‬الصباحية‭. ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬لم‭ ‬يقلل‭ ‬التكاليف‭ ‬التشغيلية‭ ‬للمصارف‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬رفع‭ ‬سقف‭ ‬توقعات‭ ‬العميل‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يقبل‭ ‬بانتظار‭ ‬“رقم”‭ ‬في‭ ‬صف‭ ‬طويل‭. ‬البنوك‭ ‬الرقمية‭ (‬Neo-Banks‭) ‬بدأت‭ ‬تسحب‭ ‬البساط‭ ‬ببطء،‭ ‬بفضل‭ ‬واجهات‭ ‬استخدام‭ ‬بسيطة،‭ ‬وخوارزميات‭ ‬ذكاء‭ ‬اصطناعي‭ ‬تقدم‭ ‬استشارات‭ ‬مالية‭ ‬مخصصة.

لكن‭ ‬هذا‭ ‬الطريق‭ ‬ليس‭ ‬مفروشا‭ ‬بالورود،‭ ‬بل‭ ‬يعج‭ ‬بالألغام‭ ‬الرقمية،‭ ‬فالانتقال‭ ‬الكامل‭ ‬يواجه‭ ‬تحديات‭ ‬جسيمة‭. ‬الهجمات‭ ‬السيبرانية‭ ‬أصبحت‭ ‬“حروبا‭ ‬غير‭ ‬معلنة”‭ ‬تستهدف‭ ‬استنزاف‭ ‬الثقة‭ ‬قبل‭ ‬الأموال،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الرقابة‭ ‬المشددة‭ ‬من‭ ‬المصارف‭ ‬المركزية‭ ‬تحاول‭ ‬الموازنة‭ ‬بين‭ ‬تشجيع‭ ‬الابتكار‭ ‬وحماية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭ ‬غسل‭ ‬الأموال‭ ‬أو‭ ‬الانهيارات‭ ‬المفاجئة‭. ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬يظل‭ ‬هناك‭ ‬“الارتباط‭ ‬العاطفي”‭ ‬والأمان‭ ‬النفسي‭ ‬الذي‭ ‬يشعر‭ ‬به‭ ‬البعض‭ ‬عند‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬موظف‭ ‬بشري‭ ‬في‭ ‬فرع‭ ‬حقيقي‭.‬

إن‭ ‬المستقبل‭ ‬لا‭ ‬ينحاز‭ ‬للأكثر‭ ‬عراقة‭ ‬أو‭ ‬الأكبر‭ ‬رأسمال،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬طوع‭ ‬يد‭ ‬الأسرع‭ ‬في‭ ‬التكيف‭. ‬البنوك‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬ستنجو‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬ستتحول‭ ‬إلى‭ ‬شركات‭ ‬برمجيات‭ ‬تحمل‭ ‬رخصة‭ ‬مصرفية،‭ ‬متخلية‭ ‬عن‭ ‬ثقل‭ ‬الأوراق‭ ‬والبيروقراطية‭.‬

ختاما،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تختفي‭ ‬البنوك‭ ‬تماما‭ ‬ككيانات‭ ‬قانونية،‭ ‬لكن‭ ‬“البنك”‭ ‬كما‭ ‬عرفه‭ ‬آباؤنا‭ ‬سيتلاشى‭ ‬ليحل‭ ‬محله‭ ‬شريك‭ ‬ذكي‭ ‬رقمي‭ ‬وفوري‭. ‬فهل‭ ‬نحن،‭ ‬كمستهلكين‭ ‬ومؤسسات،‭ ‬مستعدون‭ ‬تماما‭ ‬للعيش‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬بلا‭ ‬ورق‭ ‬وبلا‭ ‬فروع؟

‭*‬كاتب‭ ‬كويتي