المريض لم يتغيب.. لكن العلاج توقف

| د. دعاء يوسف

عندما‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬الجودة‭ ‬في‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية،‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬نفكر‭ ‬في‭ ‬دقة‭ ‬التشخيص،‭ ‬ونجاح‭ ‬العلاج،‭ ‬أو‭ ‬توفر‭ ‬الأجهزة‭ ‬الحديثة،‭ ‬لكن‭ ‬هناك‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية،‭ ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬يلاحظه‭ ‬الكثيرون‭: ‬ماذا‭ ‬يحدث‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬زيارة‭ ‬المريض؟‭ ‬وهل‭ ‬يضمن‭ ‬النظام‭ ‬الصحي‭ ‬استمرار‭ ‬رحلة‭ ‬العلاج‭ ‬حتى‭ ‬نهايتها؟

في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان،‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬العلاج‭ ‬لأن‭ ‬المريض‭ ‬قرر‭ ‬عدم‭ ‬الاستمرار،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬المريض‭ ‬اختفى‭ ‬من‭ ‬مسار‭ ‬المتابعة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ينتبه‭ ‬أحد‭. ‬للوهلة‭ ‬الأولى،‭ ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬الأمر‭ ‬كأنه‭ ‬إهمال‭ ‬من‭ ‬المريض،‭ ‬لكن‭ ‬عند‭ ‬النظر‭ ‬بشكل‭ ‬أعمق،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬السبب‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬التفاصيل‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكتمل‭. ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يتم‭ ‬تحديد‭ ‬موعد‭ ‬المراجعة‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬الجلسة‭. ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬تُكتب‭ ‬الخطة‭ ‬العلاجية‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬الملف‭. ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬يتم‭ ‬إبلاغ‭ ‬المريض‭ ‬بأهمية‭ ‬العودة‭ ‬أو‭ ‬بموعد‭ ‬الخطوة‭ ‬القادمة‭. ‬أحيانًا‭ ‬يتم‭ ‬إلغاء‭ ‬الموعد‭ ‬دون‭ ‬إعادة‭ ‬جدولته،‭ ‬أو‭ ‬يحدث‭ ‬تأخير‭ ‬في‭ ‬التواصل‭ ‬والمتابعة‭. ‬كل‭ ‬خطوة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الخطوات‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬بسيطة،‭ ‬لكنها‭ ‬عندما‭ ‬تجتمع‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬نتيجة‭ ‬كبيرة‭: ‬مريض‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬رحلة‭ ‬العلاج‭.‬

المشكلة‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬شخص‭ ‬لإلقاء‭ ‬اللوم‭ ‬عليه،‭ ‬بل‭ ‬فهم‭ ‬أن‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬هي‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬تعاون‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭. ‬الطبيب،‭ ‬وفريق‭ ‬التمريض‭ ‬أو‭ ‬المساعدون،‭ ‬وموظفو‭ ‬الاستقبال،‭ ‬والإدارة،‭ ‬جميعهم‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬تجربة‭ ‬المريض‭. ‬فجودة‭ ‬الرعاية‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬فقط‭ ‬بما‭ ‬يحدث‭ ‬داخل‭ ‬غرفة‭ ‬العلاج،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬بما‭ ‬يحدث‭ ‬بعد‭ ‬خروج‭ ‬المريض‭ ‬منها‭. ‬انقطاع‭ ‬المتابعة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬له‭ ‬آثار‭ ‬تتجاوز‭ ‬فقدان‭ ‬موعد‭ ‬فقط،‭ ‬فقد‭ ‬يتأخر‭ ‬اكتشاف‭ ‬مشكلة‭ ‬صحية،‭ ‬أو‭ ‬تتفاقم‭ ‬حالة‭ ‬بسيطة‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا،‭ ‬وقد‭ ‬يتحمل‭ ‬المريض‭ ‬لاحقًا‭ ‬وقتًا‭ ‬وتكلفةً‭ ‬وجهدًا‭ ‬أكبر،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬تجنبها‭ ‬بالمتابعة‭ ‬المناسبة‭. ‬كما‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬انخفاض‭ ‬رضا‭ ‬المرضى،‭ ‬وزيادة‭ ‬الشكاوى،‭ ‬وضعف‭ ‬الثقة،‭ ‬وتأثر‭ ‬مؤشرات‭ ‬جودة‭ ‬الرعاية‭ ‬في‭ ‬المؤسسة‭. ‬والحل‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬تذكير‭ ‬المرضى‭ ‬بالمواعيد،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬أنظمة‭ ‬تمنع‭ ‬فقدانهم‭ ‬من‭ ‬البداية.

ويشمل‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬المريض‭ ‬الخطوات‭ ‬التالية‭ ‬وأهميتها،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬آليات‭ ‬لمراجعة‭ ‬المرضى‭ ‬الذين‭ ‬تأخروا‭ ‬عن‭ ‬المتابعة،‭ ‬والتأكد‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬ثغرات‭ ‬في‭ ‬التواصل‭.‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬المريض‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬إلى‭ ‬العيادة‭ ‬ليس‭ ‬دائمًا‭ ‬مريضًا‭ ‬اختار‭ ‬الانقطاع،‭ ‬بل‭ ‬أحيانًا‭ ‬هو‭ ‬مريض‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬من‭ ‬يرشده‭ ‬إلى‭ ‬الخطوة‭ ‬التالية‭. ‬وفي‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية،‭ ‬كل‭ ‬موعد‭ ‬غير‭ ‬محدد،‭ ‬وكل‭ ‬متابعة‭ ‬لم‭ ‬تكتمل،‭ ‬قد‭ ‬تعني‭ ‬فرصة‭ ‬ضائعة‭ ‬لتحسين‭ ‬صحة‭ ‬إنسان‭. ‬لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬المريض‭ ‬داخل‭ ‬رحلة‭ ‬العلاج‭ ‬ليس‭ ‬مسؤولية‭ ‬فرد‭ ‬واحد،‭ ‬بل‭ ‬مسؤولية‭ ‬نظام‭ ‬كامل‭ ‬هدفه‭ ‬الأساسي‭ ‬خلق‭ ‬مسار‭ ‬متكامل‭ ‬وآمن‭ ‬للرحلة‭ ‬العلاجية‭.‬

‭*‬طبيبة‭ ‬بحرينية