الانتحار الإيراني.. حين يقرر البركان أن يأكل فمه
| سيد ضياء الموسوي
في علم النفس قد يشيخ الإنسان وعقله عقل طفل. فعقل الثورة الإيرانية توقف منذ طفولة الثورة وإن كان عمرها 47 عامًا. الدول لا تقاس بعمرها وإنما بعقل قادتها وبما تؤمن به من الواقعية السياسية وفن إدارة البلاد، فالنرجسية الأيديولوجية تقود الإنسان إلى المقبرة وإن ظن أنه يقدم دولة متحضرة. يقول علماء النفس إن النرجسية تبدأ حين يخلط الإنسان بين صورته وحقيقته، وحين تصبح الصورة أهم من الواقع، وهذا ما ركز عليه عالم النفس الفرنسي جاك لاكان من مفهوم “المرآة”. ومنذ عقود، تنفق الثورة على صورتها أكثر مما تنفق على مستقبل شعبها؛ تبني تماثيل للنصر بينما المدارس تهرم، وتبني صواريخ أطول بينما طوابير الخبز تكبر. أخطر أنواع الموت أن تموت دولة لأنها صدقت الأسطورة التي كتبتها عن نفسها، هذه ليست هزيمة عسكرية، بل انتحار حضاري. كل دولة حاولت ليّ عنق قوانين التاريخ صنع التاريخ نعشها. والسؤال: أين هم العثمانيون وما مصير الاتحاد السوفياتي والنازية والفاشية؟ كلها كانت تظن أن عقارب الساعة تؤدي التحية لها، ثم اكتشفت أن الساعة لا تعمل عند أحد. حال الخليج والأردن كلندن، أُمطرت بالصواريخ لكن بقيت لندن ورحل هتلر منتحرًا. أخذ صورة فوتوغرافية أمام برج إيفل لكن صمود الشعب الفرنسي بتضامنه كسره، رحل وبقي برج إيفل والمقاومة الفرنسية درسًا لحفظ الوطن. كذلك حال الخليج سيبقى وترحل ملامح الثيوقراطية المؤدلجة ويبقى الخليج زاهرًا. إن مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، إنه امتحان فلسفي وجودي بين الحياة والعدمية، بين النظام والفوضى، بين الاستقامة والعبثية، فالذي يجعل البحر رهينة قد يكتشف أن البحر لا يُؤخذ رهينة، وأن التجارة العالمية ليست جدول ماء في حديقة منزل، بل شريان كوكب كامل. ومن يضغط على شريان العالم قد يكتشف أن العالم كله يضغط على عنقه. إيران استعدت العالم بتمثيل دور البطولة، وإن ما تسميه “نصرًا” هو نعش. والسؤال: هل تستحق الأيديولوجيا أن تموت الأمة من أجلها؟ الفرق بين الوطن والعقيدة أن الوطن يتسع لأبنائه، أما العقيدة الثورية المتعصبة فتطلب من أبنائها أن يضيقوا حتى يختنقوا. يقول علماء الأنثروبولوجيا إن القبائل القديمة كانت تخترع عدوًا خارجيًا كلما أرادت المحافظة على تماسكها الداخلي، فالعدو بالنسبة لها لم يكن خطرًا بل كان مادة لاصقة. وهكذا فعلت الثورة، فكلما ضعفت اقتصاديًا ارتفع صوت المعركة، وكلما جاع المواطن شبع الخطاب، وكلما انهارت العملة انتفخت الشعارات، حتى أصبح الخبز مؤامرة، والدواء مؤامرة، والماء مؤامرة، والكهرباء مؤامرة، ولم يبقَ شيء ليس مؤامرة سوى الفشل نفسه. أين كان الاقتصاد الإيراني وقوة العملة ووفرة العملة الأجنبية وحجم الأدمغة المبتعثة للدراسة في الغرب؟ وأين أصبحت إيران اليوم بعدائها لجيرانها والعالم؟ إن إيران أجادت فن نسج المشنقة كما أتقنت نسج السجادة الإيرانية. لا أحد عاقل يعادي كل العالم ويكسر قوانين دولية ليتحول إلى بطل أسطوري على طريقة “رستم”، أو يرسم إمبراطوريته بتفخيخ الدول بالمليشيات والشعارات الثورية التي تستحيل إلى أكفان لشباب تمت برمجة عقولهم، فاستحالوا إلى قبور، ومدنهم إلى مقابر، ومقاهيهم إلى مسلخ لآلهة لا تشبع من القرابين ونذور تخرج منها رائحة الموت، بخورها حرق لكافور يرتفع بخارًا من أخشاب النعوش. لقد ملأت الثورة منذ بدايتها عطش المجاميع من بشر أُشبعوا جوع البطولة المعكوسة، وظمأ البارانويا بكؤوس وهم القداسة والحقيقة المطلقة واليقينية الثورية من أن إيران هي “الحامي” و “المنقذ” و “المخلص”. وزعت كؤوس خمرة الثورية منذ الولادة، فكانت الكأس الأولى تمنح شعور البطولة، وفي الثانية تمنح يقين العصمة الثورية، وفي الثالثة تجعل توهم أن العالم كله مخطئ إلا سكارى نخب الشعارات، أما الكأس الأخيرة فكانت كأس الانتحار. في المسرح الإغريقي كان “البطل” لا يسقط لأنه ضعيف، بل لأنه يرفض رؤية خطئه، وكان أرسطو يسمي ذلك الخطأ المأساوي. ولعل أكبر خطأ مأساوي هو أن تتحول الفكرة من وسيلة إلى إله، ومن مشروع إلى ثورية أسمنتية لا يجوز الاقتراب منها، ومن سياسة إلى فكر استاتيكي متخشب جديد يتبرأ من التاريخ، فتعبث بعمليات جراحية فكرية وهمية وتخسر معركة تحدث اليوم. إيران لم تُحاصر بالجغرافيا، لقد حاصرت نفسها بالأفكار. بنت حول عقلها أسوارًا أعلى من سور الصين، ثم جلست خلفها تصرخ: لماذا لا يزورنا العالم؟ لماذا نحن نُحاصر؟ لماذا كل يوم نفقد صديقًا؟ فحين تتحول الجذور إلى قيود يصبح التاريخ مقبرةً لا وطنًا. وهل ثمة ناصح ينصح إيران أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، وأن التجارة العالمية ليست جدول ماء في حديقة منزل في طهران، بل شريان كوكب كامل، ومن يضغط على شريان العالم قد يكتشف أن العالم كله يضغط على عنقه؟ شرح ابن خلدون أن الدول لا تسقط أولًا بالسيوف بل بتخشب الأفكار. يشبه مضيق هرمز رقبة الساعة الرملية، كلما ضاقت الفتحة ازدادت سرعة سقوط الرمل. ومن يظن أنه يستطيع إغلاق البحر قد يكتشف أن البحر هو الذي أغلق عليه أبواب التاريخ في انسداد تاريخي قاتل. وهذا ما حذر منه الفيلسوف النمساوي-الإنجليزي كارل بوبر حين حذر من خطورة أي جماعة تدعي امتلاك مفاتيح التاريخ. قانون هيراقليطس يقول: من يجعل النار مهنته سيكتشف يومًا أن الريح لا تعمل عنده موظفًا. وفي رواية “موبي ديك” لم يكن الحوت هو الذي قتل الكابتن أهاب، بل فكرة الانتقام، وهذا ما تقوم به إيران من ضرب منشآت الطاقة والمياه في الكويت وما تسعى له بضرب الأماكن المدنية والمنشآت المدنية في البحرين والخليج. وفي مأساة إيران ليس العالم ولا الخليج هم الخصم الحقيقي، وإنما الفكرة التي أقنعت نفسها بأن العالم كله ينبغي أن يدور في مدارها. كتب ذات يوم الفيلسوف والناقد الاجتماعي الدنماركي كيركغارد أن أخطر أنواع اليأس هو أن يهرب الإنسان من نفسه، وإيران تهرب من الفكر الذي قاد إلى الهزيمة إلى صناعة الوهم. شرح ذلك عالم النفس السويسري كارل يونغ بأن الإنسان إذا أنكر ظله عاد الظل يحكمه، فإيران تصنع الهاوية من “ظلها” المأساوي إلى حافة الانتحار. وهكذا تفعل الأيديولوجيات، تدّعي الطهارة المطلقة، ثم تتحول إلى مصنع لإنتاج ما كانت تزعم أنها جاءت للقضاء عليه. تلعن العنف ثم تعيش عليه، تلعن الهيمنة ثم تمارسها، تلعن الإمبراطوريات ثم تحلم بأن تكون أكبرها. مثقلة إيران بالأخطاء، ومن يغرم ببطولاتها الوهمية سينتهي إلى صدمة وجودية لن يفككها إلا فتح نوافذ العقل والمراجعة والنقد العلمي، هذا إذا حدث. لا يمكن أن تتحول المقبرة إلى حديقة زهور، ولا شاهد القبر إلى عَلَم، ولا الكفن إلى وطن.