موجة الاستسهال والاستهبال!
| كمال الذيب
سألني الصديق: كيف تُفسّر غزارة الإنتاج السطحي المنسوب إلى الإبداع الأدبي خلال السنوات القليلة الماضية؟ قلتُ للصديق: ليس بوسعي أن أُصدر حكما على هذا الإنتاج الذي وصفتَه بالسطحي، ففيه إضاءاتٌ مُلهمة، وتاريخ الكتابة كان دائما يجمع بين الغثّ والسمين، ولكنني أتفق معك على أنّ واقع الإبداع في الوقت الحاضر يشهد حالة من التأزّم المتفاقم، تُترجمها بعض التّشوّهات التي تعانيها هذه الثقافة في جوانب عديدة. وإذا ما استمرّت هذه التشوّهات في الاتساع على هذا النحو، فإنّ الإبداع سيزداد تدهورا في المستقبل. ولعلّ اتساع نطاق ما أسميته “ثقافة الاستسهال” -التي تُفضي في الغالب إلى اختلاط الحابل بالنابل وضياع الإبداع وسط أكوام الرداءة- هو وجه واحد من وجوه هذه الأزمة. قال الصديق: ولماذا لا يتولّى النقاد والأكاديميون في الجامعات مواجهة هذه الموجة وكشف زيفها؟ قلتُ: أمّا النقد الأدبي فقد تراجع بشكل كبير، وأصبح عدد الكُتّاب بالمئات، في حين لا يتجاوز عدد النقاد عدد أصابع اليد الواحدة، وفي المقابل غلبت المجاملات والاحتضان المبالغ فيه الضحالة، وإطلاق الألقاب بشكل عشوائي، حتى أصبحت بعض النصوص التي يُحتفى بها غارقة في السطحية واللامعنى وحتى الاستهبال، ومع ذلك تُقدَّم على أنها إبداع، بل نموذج للأدب الجديد، ما أسهم في إفساد اللغة والأدب معا. أمّا دور الجامعات في هذا المجال فسيبقى أساسيا ومهما في المساهمة في تطوير الثقافة عموما والإبداع خصوصا. حتى تكون الجامعات منارة للفكر والإبداع، يجب أن تُعزّز مقرراتُها ثقافة المساءلة النقدية والانفتاح على الثقافة الإنسانية في تجلياتها المختلفة، بحيث يكون لها دور في تعظيم الفكر والإبداع، ونقد السطحية والثرثرة المنتشرة في الساحة الأدبية. ومع ذلك، فإنّ هذا لا يعني مطلقا أن نكون ضدّ النصّ المفتوح الذي تنتجه العقول المنفتحة المبدعة، النابع من عمق المعاناة والتجربة والنظر الفكري، بعيدا عن الجمود والتحجّر والسطحية، فليس الحلّ دائما في “كراسي المعلّم” كما يقول هنري برغسون، فنحن بحاجة مستمرة إلى إعادة الاعتبار لكلّ شمعة قادرة على إضاءة الأماكن المظلمة والفضاءات الدامسة.