الضجيج الذي يمنعنا من التفكير... حين أصبح الانتباه أغلى سلعة في العالم (1)

| د. جعفر محمد أحمد

قبل خمسمئة عام، كانت المشكلة الكبرى التي تواجه الإنسان هي الوصول إلى المعرفة. كان العالم يقطع الصحاري والبحار ليسمع حديثًا واحدًا، أو ينسخ كتابًا واحدًا، أو يجلس بين يدي معلم لساعات قليلة. وكانت المكتبات ثروات وطنية، وكانت الكتب تُنسخ باليد، وكان الحصول على المعلومة رحلة قد تستغرق سنوات. أما اليوم، فقد انقلبت المعادلة رأسًا على عقب. لم تعد المشكلة في الوصول إلى المعرفة، بل في الهروب منها. لم يعد الإنسان يعيش في عالم فقير بالمعلومات، بل في عالم يطارده بها في كل لحظة. يستيقظ على هاتفه قبل أن يستيقظ على نفسه. تتدفق إليه الأخبار، والإشعارات، ورسائل العمل، ورسائل العائلة، وتحليلات الاقتصاد، وتعليقات السياسة، ونصائح الصحة، ومقاطع الفيديو، وآراء الغرباء، قبل أن يشرب فنجان قهوته الأول. لقد انتقلنا، في أقل من جيل، من عصر ندرة المعلومات إلى عصر فيضانها. لكن هذا التحول أخفى وراءه تحولا أخطر بكثير. فالمشكلة لم تعد في المعلومات، بل في الانتباه. نحن نستخدم كلمة “الضجيج” لوصف الأصوات المرتفعة. لكن الضجيج الحقيقي ليس ما تسمعه الأذن، بل ما يستهلك العقل. قد تجلس في غرفة صامتة تمامًا، ومع ذلك يعيش رأسك أكثر الأماكن ضجيجًا في العالم. عشرات الأفكار تتنافس، وعشرات الإشعارات تنتظر، وعشرات الرسائل تطلب ردًا، وعشرات الروابط تدعوك للضغط عليها. الضجيج لم يعد ظاهرة صوتية. لقد أصبح بيئة معرفية. بيئة تتنافس فيها آلاف الرسائل كل يوم على مورد واحد محدود... انتباهك. ولعل أول من أدرك هذه الحقيقة لم يكن عالم أعصاب، ولا خبيرًا في وسائل التواصل الاجتماعي، بل الاقتصادي الأميركي والحائز على جائزة نوبل هربرت سايمون.  

في عام 1971، أي قبل ظهور الإنترنت، وقبل الهواتف الذكية، وقبل وسائل التواصل الاجتماعي بعقود، كتب جملة تبدو اليوم أشبه بالنبوءة: “وفرة المعلومات تخلق فقرًا في الانتباه.” لم يكن سايمون يتحدث عن الهواتف، بل عن الاقتصاد. لكنه أدرك شيئًا لم ننتبه إليه إلا بعد نصف قرن. كل معلومة جديدة لا تستهلك مساحة في جهاز الكمبيوتر، بل تستهلك جزءًا من قدرة الإنسان على التركيز. فالانتباه، مثل المال، مورد محدود. وإذا ازدادت الأشياء التي تطلبه، أصبح أكثر ندرة. ولهذا لم تعد شركات التكنولوجيا تتنافس على بيع المنتجات. بل تتنافس على بيع انتباهنا. حين تفتح تطبيقًا مجانيًا، فأنت لا تستخدم الخدمة مجانًا. أنت تقدم المقابل.. والمقابل هو دقائق عمرك. كل إشعار صُمم ليقطع سلسلة أفكارك، كل فيديو صُمم ليقودك إلى الذي يليه، كل خوارزمية صُممت لتمنعك من المغادرة، ولهذا لا تتنافس المنصات على جودة المحتوى بقدر ما تتنافس على مدة بقائك داخلها. لقد أصبح الانتباه هو النفط الجديد. وأصبح الإنسان، دون أن يشعر، يعيش داخل سوق عالمي لا يتاجر بالسلع، بل بالعقول. وقد يبدو هذا وصفًا أدبيًا، لكن علم النفس المعرفي يقول الشيء نفسه. يرى دانيال كانيمان، الحائز على جائزة نوبل، أن الانتباه ليس قدرة لا نهائية، بل مورد ذهني محدود. وكل مهمة، وكل قرار، وكل مقاطعة، تسحب جزءًا من هذا المورد. لذلك لا يعود الإنسان في نهاية يوم مليء بالمقاطعات مرهقًا جسديًا فقط، بل مستنزفًا معرفيًا أيضًا. ليس لأنه عمل أكثر، بل لأنه وزع انتباهه على عدد هائل من الأشياء التي لم يكتمل أي منها. ثم جاءت أبحاث البروفيسورة غلوريا مارك من جامعة كاليفورنيا لتكشف حقيقة أكثر إزعاجًا. فقد بينت دراساتها أن العاملين في بيئات العمل الرقمية ينتقلون بين النوافذ والشاشات والمهمات بوتيرة متسارعة، حتى أصبح متوسط الزمن الذي يقضيه كثير منهم على مهمة واحدة قبل الانتقال إلى أخرى أقل من دقيقة، والمشكلة ليست في الانتقال ذاته، بل في الثمن الذي يدفعه الدماغ في كل مرة يعيد فيها ترتيب انتباهه. وتفسر الباحثة صوفي لوروا هذه الظاهرة بما سمته “بقايا الانتباه” (Attention Residue). فعندما يترك الإنسان مهمة قبل أن ينهيها لينتقل إلى أخرى، لا ينتقل عقله بالكامل. يبقى جزء من انتباهه معلقًا بالمهمة الأولى، فيدخل المهمة الثانية بعقل منقسم. ثم يكرر الأمر عشرات المرات في اليوم، فيصبح مشغولًا باستمرار، لكنه نادرًا ما يكون حاضرًا بالكامل في أي عمل يقوم به. أما عالم النفس التربوي جون سْويلر، من خلال نظرية الحمل المعرفي (Cognitive Load Theory)، فيوضح أن الذاكرة العاملة ليست مصممة لاستقبال هذا السيل المتواصل من المعلومات. وعندما تتجاوز كمية المعلومات قدرة الدماغ على معالجتها، لا يصبح الإنسان أكثر معرفة، بل أقل فهمًا. تمامًا كما يتوقف الحاسوب عن العمل بكفاءة عندما تُفتح عليه عشرات البرامج في الوقت نفسه. ومن هنا نفهم مفارقة عصرنا. لم يسبق للبشرية أن امتلكت هذا القدر من المعرفة. ولم يسبق لها، في الوقت نفسه، أن اشتكت بهذا القدر من التشتت، وضعف التركيز، وصعوبة القراءة العميقة، والعجز عن الجلوس مع فكرة واحدة حتى تنضج. لقد كنا نظن أن كثرة المعلومات ستجعلنا أكثر فهمًا. لكن يبدو أن الإنسان لا يفكر بما يعرف... بل بما يستطيع أن يمنحه انتباهه. ولذلك، ربما لم تعد معركة الإنسان الكبرى مع الجهل، كما كانت في القرون الماضية. بل أصبحت معركته مع الضجيج. فالضجيج لم يعد صوتًا يملأ المكان... بل أصبح البيئة التي يعيش فيها العقل نفسه. وللحديث بقية.

كاتب وأكاديمي بحريني