حين يغادر الخيال الورق

| وفاء فيصل

مؤخراً، وعندما وطأت قدمي عالم الفانتازيا مطلقةً العنان لنفسي في تجربة جديدة كنت أظن لكأنها قد توقفت أو أنتهت بالأحرى عند كافكا على الشاطىء مع هاروكي موراكامي ، حينما تساقط السمك على أم رأسي أفقدني التفكير في أي شي آخر سواه! 

تساءلتُ كثيراً عن قدرة موراكامي في إحداث كل هذا اللغط والأنفعال والأحداث المتسارعة حيث تنقلب الأمور رأساً على عقب في وتيرةٍ حادة السرعة في مشهدٍ واحدٍ فقط ! نعم مشهد واحد لا يعدو أن يكون في حياتك أيها الإنسان وأنت تعبر الطريق بكل بساطة .

عموماً كانت هذه الرحلة مشوقة جداً رغم غرابتها نوعاً ما على قارئة أعتادت ان تبيت في حواري نجيب محفوظ وطه حسين ، ربنا تتنقل في طفرة أقصاها دوستوفيسكي ولكن أن تبحر في عالم السحر والأقزام والحروب والكائنات الغريبة هو ما يدعو للدهشة حقاً .. 

هكذا حدثت نفسي مراراً وانا أقرأ ذا هوبيت للكاتب الإنجليزي جون رونالد تولكين لم تكن قراءةً سهلة البتة، حيث أن الخوف، الريبة ، والتكهنات المسبقة لخوض غمار هذه التجربة الجديدة هي العائق الأول ، ولكني وجدتُ نفسي بعد إشادة وتحفيز " صديق " قد وضعتُ أول خطواتي في ذلك المكان البعيد جداً عن هنا ملايين الفراسخ او ملايين المجرات حتى ! 

أؤمن بأن التحديات هي ما تصنعنا ولذلك لم أقاوم التيار هذه المرة - بعكس ما أعتدت فعله - تركت عقلي سابحاً حيث شاء ذا هوبيت أن يضعه . 

وكلما سبرت أغوار الرواية، غمرني ذلك التساؤل : كيف لهذا العالم المليء بالعجائب أن ينتقل من الورق للشاشة محافظاً على سحره، حينها تيقنت بأن للفن قدرة على تجسيد هذا الخيال في صورة فائقة الجمال ومن هنا كان لابد أن أتوقف عند تحول هذه الرواية العظيمة جداً إلى فيلم سينمائي حاز على العديد من جوائز الأوسكار . 

وهو ما دعاني للتساؤل مرة أخرى كيف تؤثر كتابة الرواية في صناعة السينما بالأحرى سأكون أكثر دقة لأقول : كيف تؤثر الفانتازيا في صناعة السينما؟ 

هذا العالم الهائل بسحره الماتع حينما يخرج من تفكير الروائي ليصبح ساحة واسعة التجوال بعد أن كان متبلوراً في نطاق خاص يتعلق بذهنيته الفذة، نلحظ فيه أن التكنيكات التي يتبعها الكاتب منذ البداية عند نقطة إختيار الحبكة والمكان والأشخاص هي ما تحدد فعلاً ما إذا كان هذا النص هو ما سيتحول لعمل سينمائي من عدمه وفقاً لرؤية الكاتب .

غير أن ذلك لا يتفق بالضرورة مع الرؤية الإخراجية والإنتاجية القائمة على تحويل النص إلى مشاهد متحركة فلطالما كانت هناك روايات تحولت لأيقونات سينمائية  فاقت شهرتها شهرة النص الأصلي كرواية the god father.

وهذا ما يدعنا أمام تساؤل محدد وهو هل كل نص قابل للتحول المرئي بغض النظر عن رؤية كاتبه ؟ 

لن تتوقف الاجابة هنا على الكاتب فقط إذ أن السيناريست والمخرج جميعهم يدورون في دائرة واحدة لا يمكننا تجزيئها . يحمل كل فرد من هؤلاء زاوية معينة للرؤية تختلف عن الآخر ، وقد تطرق السيناريست أحمد خاطر في إحدى ندواته إلى أن الرواية تخضع إلى معالجة درامية من أجل تحويلها لسيناريو وفق قواعد معينة ، وعلى غرارها يتم التحكم في كتابة السيناريو بالعديد من الأمور كمواقع التصوير وعدد الممثلين مع عدم مراعاة ضرورة الالتزام ببداية الرواية أو وسطها أو نهايتها أثناء تحويلها لسيناريو حيث أن الأخير يمكن الكاتب من اللعب بهيكلة الرواية عن طريق إعادة تشكيلها دون التقيد بالمقدمة والعرض والخاتمة. 

إذاً نحن أمام جزء من الإجابة يكتمل برؤية المخرج التي تتبلور في بحثه عن النصوص البصرية حيث أن الصورة تحمل لغتها الخاصة بالتالي فإن المشهد هو الوحدة الأساسية التي تتراكم لتصبح فيلماً فيما بعد. 

وتتفاوت نظرة المخرج من نص إلى اخر ، فقد يرى أن في الصمت حركة وفي الوصف مشاهد داخلية إذ أن توجهه في النهاية يهدف إلى تقديم نص يتحرك أمام الكاميرا بغض النظر عن جودة النص أو ردائته فهو يحمل وجهة نظر مغايرة للكاتب في هذا الشأن .

وفيما يتعلق برواية الفانتازيا فإن تحويل هذه النصوص لأفلام سينمائية يستدعي استخدام الخدع البصرية والبرامج الرقمية لصنع العالم الخاص بالسحر والخيال حتى يبدو مماثلاً للحقيقة. و تعتبر روايتي الهوبيت وسيد الخواتم للروائي جون رونالد رويل تولكين دون إغفال رواية هاري بوتر للكاتبة الإنجليزية جوان رولينغ خير شاهد على ذلك . 

اليوم وبعد التطور الهائل في استخدام التكنلوجيا كتقنية حديثة تقوم على إحياء النصوص في العالم عبر شاشات السينما أصبحنا أمام علامة فارقة في إختيار الرواية الفنتازية كلون أدبي يستطيع تلبية رغبة المشاهدين وأخذهم في رحلة مليئة بالإبداع والسحر والمؤثرات الخيالية. 

إن للفنتازيا لمسةً ساحرة تجعلنا نؤمن بأن أكثر العوالم غرابة واستحالة يمكن أن تغدو واقعاً نراه بأعيننا ، ولعل الفانتازيا لهذا السبب ستظل واحدة من أكثر الألوان الأدبية قدرة على إعادة تشكيل مخيلة الانسان.