المكاتب الهندسية في البحرين... عندما تتحول المنافسة السعرية إلى تهديد للمهنة

| م. محمد ميرزا

تعتبر المنافسة من العوامل الأساسية التي تسهم في تطوير الأسواق وتحسين جودة الخدمات، حيث تشجع على الابتكار وتعزز الأداء وتقدم قيمة مضافة للعميل. ولكن قد تنحرف المنافسة عن مسارها الصحيح عندما يصبح السعر هو المعيار الوحيد لاختيار مزود الخدمة، وهو ما بدأ يظهر بشكل متزايد في قطاع المكاتب الهندسية في البحرين. يستند ما ورد في هذا المقال، جزئيا، إلى تجارب مهنية عايشتها مباشرة على مدار سنوات من العمل في القطاع الهندسي، إضافة إلى ملاحظات وممارسات متكررة شهدها السوق، وهذا يدعو إلى فتح حوار مهني مسؤول حول سبل تطوير هذا القطاع الحيوي. أصبحت المنافسة السعرية بين بعض المكاتب الهندسية تتجاوز حدود التنافس المهني، وفي بعض الأحيان تصل إلى تقديم عروض لا تعكس القيمة الحقيقية للخدمة الهندسية أو حجم المسؤولية الفنية والقانونية التي يتحملها المهندس الاستشاري، فبدلا من أن تتنافس المكاتب في جودة التصميم وكفاءة الحلول وسرعة الإنجاز، باتت المنافسة في بعض الحالات تدور حول تقديم أقل سعر، حتى لو كان ذلك على حساب جودة العمل. إن العمل الهندسي يتجاوز كونه مجرد مخططات ورسومات، فهو يعد استثمارا طويل الأمد في سلامة المباني واستدامتها وكفاءتها التشغيلية. كل قرار تصميمي، وكل تفصيل إنشائي، وكل مراجعة فنية لها تأثير مباشر على جودة المشروع وتكاليف تنفيذه وصيانته وسلامة مستخدميه طوال فترة عمره. عندما تنخفض الأتعاب الهندسية إلى مستويات لا تعكس حجم العمل، فإن ذلك يؤثر سلبا على قدرة المكتب الهندسي على تخصيص الوقت الكافي للدراسة والمراجعة والتنسيق بين التخصصات المختلفة. كما يحد من قدرته على الاستثمار في الكفاءات الوطنية والتقنيات الحديثة والبرامج المتخصصة والتدريب المستمر، وفي نهاية المطاف، قد تظهر أخطاء تصميمية أو تنفيذية كان بالإمكان تجنبها لو أُعطيت الخدمة الهندسية القيمة التي تستحقها. لا تتحمل المكاتب الهندسية وحدها مسؤولية هذه الظاهرة، بل هي مسؤولية مشتركة بين جميع الأطراف. فالعميل الذي يعتمد على السعر فقط كمقياس للمفاضلة قد يكتشف لاحقاً أن ما وفّره في بداية المشروع قد يتحول إلى تكاليف إضافية خلال التنفيذ أو بعد التشغيل. كما يتعين على الجهات المالكة للمشاريع، سواء كانت حكومية أو خاصة، تعزيز ثقافة التقييم الفني، بحيث لا يكون السعر هو العامل الحاسم في اختيار المكتب الهندسي، بل جزء من نظام تقييم يتضمن الخبرة والكفاءة وسجل الإنجازات وجودة الحلول الفنية. في المقابل، تتحمل المكاتب الهندسية مسؤولية الحفاظ على قيمة المهنة من خلال الابتعاد عن المنافسة الضارة بالقطاع، والتركيز على تطوير الخدمات، وزيادة جودة المخرجات، والاستثمار في الابتكار والتحول الرقمي. كما يجب بناء علاقة مهنية طويلة الأمد مع العملاء تقوم على الثقة والقيمة المضافة بدلا من الاعتماد فقط على السعر. كما أنه أصبح من الضروري أيضا أن تشهد المرحلة المقبلة حوارا مهنيا بين الجهات التنظيمية والجمعيات المهنية والمكاتب الهندسية لدراسة وضع إطار استرشادي للأتعاب الهندسية يحقق التوازن بين حرية المنافسة والحفاظ على جودة الخدمات دون المساس بمبادئ السوق المفتوح، فالعديد من الدول المتقدمة تعتمد نماذج استرشادية تساعد في حماية المهنة وضمان استدامة القطاع. لا تهدف هذه النقاشات إلى إلقاء اللوم على أي طرف، بقدر ما تعكس تجربة عملية أظهرت أن استمرار بعض الممارسات الحالية قد يؤثر سلبا على استدامة المكاتب الهندسية وجودة الخدمات التي تقدمها. ومن هذا المنطلق، فإن مناقشة هذه التحديات بشفافية تمثل خطوة ضرورية نحو إيجاد حلول متوازنة تحافظ على مصالح جميع الأطراف وتساهم في الارتقاء بالمهنة، بما يتماشى مع مكانتها ودورها في تحقيق التنمية العمرانية. إن جودة البيئة العمرانية تبدأ من جودة العمل الهندسي، وجودة العمل الهندسي تعتمد على تقدير قيمته الحقيقية، فالمكتب الهندسي الذي يمتلك الوقت والموارد والكفاءات قادر على تقديم حلول أكثر ابتكارا، وتصميم مباني أكثر كفاءة واستدامة، كما أنه يساهم بشكل رئيسي في تحقيق التنمية العمرانية التي تسعى إليها مملكة البحرين. 

 

‭* ‬معماري‭ ‬ومستشار‭ ‬هندسي‭ ‬بحريني