لغز الأجور والإنتاجية.. الموازنة الحرجة في الاقتصاد الخليجي

| مرتضى بن حسن

بين فترة وأخرى، يطفو على السطح نقاش مجتمعي واقتصادي محتدم بشأن الأجور، إذ ينادي فريق بضرورة رفع الرواتب لمواكبة التضخم وغلاء المعيشة المستمر، مدفوعا بنظرية أن زيادة الدخل ترفع القوة الشرائية وتنعش الأسواق المحلية. هذا المنطق يبدو مثاليا في الاقتصادات الإنتاجية والمصنّعة التي تصدّر أكثر مما تستورد، أما في الاقتصادات التي تعتمد على الاستيراد وتواجه عجزا في ميزانها التجاري، فإن ضخ الأموال دون إنتاجية موازية يتحول سريعا إلى استنزاف للموارد وفخ للتضخم المنفلت، ما يفقد العملة الوطنية قيمتها الشرائية كما تؤدي إلى تسريح الموظفين. وعلى المقلب الآخر، يرى المحللون الاقتصاديون أن أية زيادة في الأجور لا تقابلها طفرة في الإنتاجية تؤدي إلى نتائج عكسية وخيمة، فالقطاع الخاص، الذي يُراد له أن يكون المحرك الأساسي للتشغيل، لا يزال في الجزء الأكبر منه قطاعا خدميا يعتمد على السوق المحلي. ورفع تكلفة العمل دون جدوى إنتاجية حقيقية يرفع التضخم ويقلص القدرة التنافسية للاقتصاد العماني، ويضعف جاذبيته للاستثمارات الأجنبية المباشرة، بل قد يدفع الشركات إلى تقليل أعداد الموظفين، أي تسريحهم وخفض التكاليف. وتشير بعض الدراسات إلى أن زيادة الأجور بنسبة 10 % دون تحسن في الإنتاجية قد تدفع قطاع الأعمال إلى الاستغناء عما يتراوح بين 3 % و5 % من القوة العاملة، والاعتماد على التقنيات المتطورة كبديل. إن قضية الأجور ترتبط بـ “مثلث حرج” تشكل الإنتاجية والأسعار ضلعيه، بينما تقف الأجور على قاعدته. ولا يمكن حصر مفهوم الأجر في تلبية متطلبات الغلاء فقط، بل هو منظومة دائرية تتأثر بأربعة عناصر متشابكة: النمو، والإنتاجية، والأسعار، والتنافسية.  تاريخيا، واجه الاقتصاد العماني هذا التحدي بشكل ملموس، إذ تضاعف بند الرواتب الإجمالية في الجهاز الإداري للدولة بشكل قياسي من 2.5 مليار ريال عماني في العام 2010 ليصل إلى حوالي 6.1 مليارات ريال عماني في العام 2017، ما جعل الرواتب عبئا ثقيلا على الخزينة العامة، واضطرت الدولة في تلك الفترة إلى الاقتراض لتمويل هذا البند الاستهلاكي، وهو مسار محفوف بالمخاطر لأي اقتصاد يسعى للاستدامة. هذا الترهل جاء نتيجة تضخم التوظيف الحكومي بمعدلات تفوق الحاجة الفعلية، ليصبح “الأمن الوظيفي” في بعض الأحيان مرادفا لتدني الإنتاجية. إن مستويات الرواتب ينبغي أن ترتبط طرديا بالمهارات، والمؤهلات، والإنتاجية الفعلية للعامل، وليس بمجرد سجلات الحضور والانصراف. ولعل نقطة البدء الحقيقية لإصلاح هيكل الأجور وتلبية تطلعات المواطنين في العيش الكريم لا تأتي عبر القرارات الفوقية، وإنما من خلال استراتيجية وطنية متكاملة تتضمن ثلاثة مسارات: أولا: ربط الأجور بإنتاجية حقيقية (كمية ونوعية) مع تفعيل صارم لآليات التقييم ومبدأ الثواب والعقاب في القطاعين العام والخاص. ثانيا: إصلاح جذري ومستمر لمنظومتي التعليم والتدريب، بما يضمن غرس أخلاقيات العمل وتزويد الخريجين بمهارات تنافسية يحتاجها سوق العمل المستقبلي. ثالثا: مأسسة “الحوار الاجتماعي” بين أطراف الإنتاج الثلاثة (الحكومة، وأصحاب العمل، والعمال)، ليكون هذا الحوار منصة لتبادل الرؤى وتجاوز العقبات قبل تفاقمها، مع التركيز على أن تكون الإنتاجية هي المرجعية المشتركة للجميع. ومن جهة أخرى فإن تطوير الأجور هو استثمار ضروري للاحتفاظ  بالكفاءات الوطنية العمانية المحدودة، شريطة أن يتزامن ذلك مع نسف البيروقراطية وتطوير بيئة الأعمال  لتمكين هذه الكفاءات من العطاء. في النهاية، يبقى الاقتصاد المتنامي والمنوع هو الضمانة الوحيدة لزيادة الأجور بشكل مستدام، وحين تتوفر بيئة تشريعية مرنة وقوى عاملة ماهرة، سيتنافس أصحاب العمل لتوظيفها ورفع أجورها مدفوعين بقوانين العرض والطلب، وليس بضغط القوانين المفروضة، وذلك هو السبيل الوحيد لبناء اقتصاد متين قادر على المنافسة عالميا.

 

‭*‬كاتب‭ ‬عماني