أيهما أهم.. الحضور أم الإنجاز؟

| نجوى الأحمد

عندما يصبح السؤال الذي نطرحه عن العمل السؤال الخطأ... لأكثر من قرن، بُنيت فلسفة الإدارة على افتراض بسيط: كلما زادت ساعات العمل، زادت الإنتاجية. وكان ذلك منطقياً في عصر الاقتصاد الصناعي، حيث كانت قيمة العمل تُقاس بوجود الموظف في موقع العمل. أما اليوم، فقد أصبح الاقتصاد قائماً على المعرفة والإبداع وسرعة اتخاذ القرار، ومع ذلك مازالت كثير من المؤسسات تُدير موظفيها بعقلية صُممت لعالم لم يعد موجوداً. لذلك، لم يعد السؤال: هل العمل عن بُعد أفضل من العمل الحضوري؟ أو هل ينبغي تقليل أيام العمل؟ بل أصبح السؤال الأهم: هل مازلنا نقيس الإنتاجية بالطريقة الصحيحة؟ وللإجابة عن هذا السؤال، لا تكفي الانطباعات الشخصية، بل يجب العودة إلى الأدلة العلمية التي تراكمت خلال أكثر من عقد، بدءا من أبحاث البروفيسور نيكولاس بلوم، وصولا إلى أحدث الدراسات المنشورة في Nature Human Behaviour وTrends in Cognitive Sciences والمراجعات المنهجية الحديثة. ورغم اختلافها، فقد انتهت جميعها تقريبا إلى الرسالة نفسها: الإنتاجية لا يصنعها عدد ساعات العمل، بل جودة تصميم العمل. عندما اكتشف العالم أن المشكلة ليست في الوقت.. بل في طريقة استخدامه نشرت مجلة Nature Human Behaviour عام 2025 واحدة من أكبر الدراسات العالمية حول أسبوع العمل المكوّن من أربعة أيام، وشملت 141 منظمة و2,896 موظفا في ست دول. وكان السؤال بسيطاً: هل يؤدي تقليل أيام العمل إلى انخفاض الإنتاجية؟ لكن النتائج قلبت المفهوم التقليدي؛ فقد انخفض الاحتراق الوظيفي، وتحسنت الصحة النفسية والجسدية، وارتفع الرضا الوظيفي، من دون تراجع في الأداء التنظيمي. ولم يكن السر في العمل لساعات أقل، بل في إعادة تصميم العمل. فقد ألغت المؤسسات الاجتماعات غير الضرورية، وبسّطت الإجراءات، وأعادت ترتيب الأولويات، فحققت القيمة نفسها في وقت أقل. وهنا يبرز سؤال يستحق أن يطرحه كل قائد: هل نحتاج إلى ساعات عمل أطول.. أم إلى طريقة عمل أفضل؟.  

عندما أكدت علوم الأعصاب أن الإنتاجية تبدأ من الدماغ بقي سؤال آخر أكثر عمقا: لماذا لم تنخفض الإنتاجية رغم تقليل ساعات العمل؟ الإجابة جاءت من دراسة نشرتها مجلة Trends in Cognitive Sciences عام 2025، والتي أوضحت أن الإنتاجية لا ترتبط بطول ساعات العمل، بل بحالة الدماغ نفسه. فكلما انخفض الإرهاق الذهني، ارتفع التركيز، وتحسنت جودة القرارات، وزادت القدرة على الإبداع وحل المشكلات. أما الساعات الطويلة المصحوبة بالإجهاد، فقد تزيد الوقت الذي يقضيه الموظف في العمل، لكنها لا تزيد بالضرورة القيمة التي يضيفها. ولخص الباحثون نتائجهم بعبارة معبرة: “Better rested brains create better work”، أو كما يمكن ترجمتها: “العقول الأكثر راحة تنتج عملا أفضل”. وهنا يبرز سؤال آخر: هل نقيس الأداء بعدد ساعات العمل.. أم بجودة التفكير الذي يحدث خلالها؟

العمل عن بُعد.. ليس هو الحل، وليس هو المشكلة وفي عام 2025، جمعت مراجعة علمية منهجية نشرتها Springer نتائج عدد كبير من الدراسات حول العمل عن بُعد والعمل الهجين، لتصل إلى نتيجة مهمة: في الظروف المناسبة، يمكن للعمل المرن أن يرفع الإنتاجية، ويحسن الرضا الوظيفي، ويعزز التوازن بين الحياة والعمل، ويقلل الوقت المهدر في التنقل. لكن الباحثين أكدوا أيضا أن النجاح ليس مضمونا؛ فهو يعتمد على طبيعة الوظيفة، وجودة القيادة، والثقة، وثقافة المؤسسة، وتوفر الأدوات الرقمية. وعندما تغيب هذه العوامل، تظهر تحديات مثل ضعف التواصل، وتراجع الابتكار، والشعور بالعزلة. لذلك، فالعمل عن بُعد ليس استراتيجية ناجحة بحد ذاته، كما أنه ليس مشكلة بحد ذاته. إنه نموذج عمل، ونجاحه يتوقف على كيفية تصميمه وإدارته. ولهذا ربما يكون السؤال الصحيح ليس: هل نسمح بالعمل عن بُعد؟ بل: هل نمتلك القيادة والأنظمة والثقافة التي تجعل أي نموذج عمل يحقق أفضل النتائج؟

لماذا تغيّر العالم.. ولماذا يجب أن تتغير طريقة إدارتنا للعمل؟ لم يعد الجدل حول العمل عن بُعد أو تقليل ساعات العمل مجرد نقاش إداري، بل هو انعكاس لتحولات اقتصادية واجتماعية أعمق. فاقتصاد اليوم يقوم على المعرفة والابتكار أكثر من اعتماده على عدد ساعات العمل، كما أصبحت جودة الحياة والصحة النفسية واستقطاب الكفاءات عوامل مؤثرة في القدرة التنافسية للدول والمؤسسات. ولهذا، لم تعد المرونة في العمل ينظر إليها كامتياز للموظف، بل كأداة لتعزيز الإنتاجية واستدامة النمو. وهذا ما أكدته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، في تقريرها Employment Outlook، حيث ترى أن سياسات العمل المرن وتنظيم ساعات العمل يمكن أن يسهما في رفع الإنتاجية، وزيادة المشاركة في سوق العمل، وتحسين رفاه الأفراد، بما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد ككل. وربما لهذا السبب، لم يعد السؤال المطروح في الاقتصادات المتقدمة: كيف نجعل الناس يعملون ساعات أطول؟ بل أصبح: كيف نصمم عملا يمكّن الناس من تقديم أفضل أداء، وفي الوقت نفسه يخلق اقتصادا أكثر إنتاجية ومجتمعا أكثر استدامة؟

ما الذي تخبرنا به هذه الدراسات مجتمعة؟ عندما ننظر إلى هذه الدراسات كصورة واحدة، نجد أنها جميعا تشير إلى الرسالة نفسها، الإنتاجية ليست نتاج عدد الساعات، لإرهاق يقلل جودة الأداء مهما طالت ساعات العمل، المرونة يمكن أن ترفع الإنتاجية إذا دعمتها قيادة فعالة، القيمة الحقيقية تتحقق عندما يُعاد تصميم العمل، لا عندما تُزاد ساعاته. وهذا يقودنا إلى تحول جوهري في الفكر الإداري؛ فالمؤسسات الرائدة لم تعد تُدير موظفيها بالحضور، بل بالنتائج. من وجهة نظري، لسنا أمام معركة بين المكتب والمنزل، ولا بين خمسة أيام وأربعة أيام، بل أمام مرحلة تعيد تعريف مفهوم العمل نفسه. لقد علمتنا الثورة الصناعية أن الوقت هو وحدة الإنتاج، أما الثورة الرقمية فتعلّمنا أن القيمة هي وحدة الإنتاج. ولهذا، لم يعد السؤال الذي ينبغي أن يطرحه القادة: كم ساعة يعمل موظفونا؟ بل: هل صممنا بيئة عمل تمكّنهم من تقديم أفضل ما لديهم؟ فالمؤسسات التي ستقود المستقبل لن تكون تلك التي تراقب ساعات العمل بدقة أكبر، بل تلك التي تنجح في تحويل كل ساعة عمل إلى قيمة، وابتكار، وأثر مستدام. وفي النهاية، ربما لم يعد السؤال: هل نعمل من المكتب أم من المنزل؟ ولا: هل نعمل خمسة أيام أم أربعة؟ بل أصبح السؤال الذي تطرحه الأدلة العلمية اليوم: كيف نصمم عملاً ينتج قيمة أكبر.. في وقت أقل؟ وربما لهذا السبب، لم تعد المؤسسات العالمية تتحدث عن زيادة ساعات العمل، بقدر ما تتحدث عن تحسين جودة العمل.. وتحسين جودة حياة الإنسان الذي يؤديه.

كاتبة بحرينية