رؤية مغايرة

عندما يُختبر القانون الدولي

| فاتن حمزة

‭ ‬ليست‭ ‬جميع‭ ‬الأزمات‭ ‬التي‭ ‬تمر‭ ‬بها‭ ‬المنطقة‭ ‬متشابهة،‭ ‬فبعضها‭ ‬يقتصر‭ ‬أثره‭ ‬على‭ ‬حدود‭ ‬السياسة،‭ ‬بينما‭ ‬يتجاوز‭ ‬بعضها‭ ‬الآخر‭ ‬تلك‭ ‬الحدود‭ ‬ليصبح‭ ‬اختبارًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬لمصداقية‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬بأكمله‭. ‬وما‭ ‬تشهده‭ ‬المنطقة‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬اعتداءات‭ ‬متكررة‭ ‬على‭ ‬الأعيان‭ ‬المدنية‭ ‬والمنشآت‭ ‬الحيوية،‭ ‬وتهديد‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬الدولية،‭ ‬يضع‭ ‬العالم‭ ‬أمام‭ ‬سؤال‭ ‬جوهري‭: ‬هل‭ ‬مازال‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬مرجعًا‭ ‬يحكم‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬أم‭ ‬أنه‭ ‬أصبح‭ ‬مجرد‭ ‬نصوص‭ ‬تُستحضر‭ ‬عند‭ ‬الحاجة‭ ‬وتُغيب‭ ‬عندما‭ ‬تتعارض‭ ‬مع‭ ‬المصالح؟

إن‭ ‬احترام‭ ‬سيادة‭ ‬الدول‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يومًا‭ ‬خيارًا‭ ‬سياسيًا،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬حجر‭ ‬الأساس‭ ‬الذي‭ ‬قامت‭ ‬عليه‭ ‬منظومة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬والضمانة‭ ‬الأولى‭ ‬لحفظ‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬الدوليين‭. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬اعتداء‭ ‬يستهدف‭ ‬أراضي‭ ‬الدول‭ ‬أو‭ ‬منشآتها‭ ‬المدنية‭ ‬أو‭ ‬بنيتها‭ ‬التحتية‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬انتهاكًا‭ ‬لحقوق‭ ‬دولة‭ ‬بعينها‭ ‬فحسب،‭ ‬إنما‭ ‬اعتداء‭ ‬على‭ ‬المبادئ‭ ‬التي‭ ‬توافق‭ ‬عليها‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬بعد‭ ‬عقود‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬والصراعات‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬أكده‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬في‭ ‬بيانه‭ ‬الأخير‭ ‬يجسد‭ ‬رؤية‭ ‬واضحة‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬الاعتبارات‭ ‬السياسية،‭ ‬إذ‭ ‬شدد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الاعتداءات‭ ‬المستمرة‭ ‬والمدانة‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬الأعيان‭ ‬المدنية‭ ‬والمنشآت‭ ‬الحيوية،‭ ‬وتهدد‭ ‬أمن‭ ‬المواطنين‭ ‬والمقيمين‭ ‬وسلامة‭ ‬السفن‭ ‬وحرية‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية،‭ ‬تمثل‭ ‬انتهاكًا‭ ‬صارخًا‭ ‬لسيادة‭ ‬الدول،‭ ‬ومخالفةً‭ ‬صريحةً‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي‭ ‬وميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬تعارضها‭ ‬مع‭ ‬قرار‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬رقم‭ (‬2817‭) ‬لسنة‭ ‬2026،‭ ‬وما‭ ‬تمثله‭ ‬من‭ ‬نكثٍ‭ ‬للتعهدات‭ ‬التي‭ ‬قطعها‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬بموجب‭ ‬مذكرة‭ ‬تفاهم‭ ‬إسلام‭ ‬آباد‭.‬

إن‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬مطالب‭ ‬اليوم‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬بيانات‭ ‬الإدانة،‭ ‬لأن‭ ‬قيمة‭ ‬القانون‭ ‬لا‭ ‬تقاس‭ ‬بجمال‭ ‬نصوصه،‭ ‬إنما‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬من‭ ‬يخضع‭ ‬له،‭ ‬وردع‭ ‬من‭ ‬ينتهكه‭. 

فحين‭ ‬تتكرر‭ ‬الاعتداءات‭ ‬دون‭ ‬موقف‭ ‬دولي‭ ‬حازم،‭ ‬فإن‭ ‬الرسالة‭ ‬الأخطر‭ ‬التي‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬الالتزامات‭ ‬الدولية‭ ‬أصبحت‭ ‬قابلة‭ ‬للتجاوز،‭ ‬وأن‭ ‬مبدأ‭ ‬سيادة‭ ‬الدول‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يحظى‭ ‬بالحماية‭ ‬التي‭ ‬يستحقها‭.‬

ولعل‭ ‬أحد‭ ‬أخطر‭ ‬أوجه‭ ‬هذه‭ ‬الاعتداءات‭ ‬يتمثل‭ ‬فيما‭ ‬تشكله‭ ‬من‭ ‬تهديد‭ ‬للملاحة‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬ذلك‭ ‬الشريان‭ ‬البحري‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يخص‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬يمثل‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬لحركة‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬وأمن‭ ‬الطاقة‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬الدولية‭. ‬فسلامة‭ ‬هذا‭ ‬الممر‭ ‬ليست‭ ‬قضية‭ ‬إقليمية،‭ ‬إنما‭ ‬مسؤولية‭ ‬دولية‭ ‬مشتركة،‭ ‬لأن‭ ‬أي‭ ‬اضطراب‭ ‬فيه‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬وتطول‭ ‬آثارُه‭ ‬الشعوب‭.‬

لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬حماية‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة‭ ‬وتأمين‭ ‬مرور‭ ‬السفن‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬ليس‭ ‬مطلبًا‭ ‬سياسيًا‭ ‬عابرًا،‭ ‬إنما‭ ‬التزام‭ ‬يفرضه‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬وتقتضيه‭ ‬المصالح‭ ‬المشتركة‭ ‬لجميع‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تؤمن‭ ‬بأن‭ ‬ازدهار‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬استقرار‭ ‬طرق‭ ‬التجارة‭ ‬البحرية‭ ‬وأمنها‭.‬

وفي‭ ‬خضم‭ ‬هذه‭ ‬التطورات،‭ ‬يبرز‭ ‬الموقف‭ ‬البحريني‭ ‬بوصفه‭ ‬نموذجًا‭ ‬للدولة‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الحكمة‭ ‬والثبات؛‭ ‬فهي‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬احترام‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬وتتمسك‭ ‬بخيار‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬تؤكد‭ ‬حقها‭ ‬المشروع،‭ ‬الذي‭ ‬تكفله‭ ‬قواعد‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬سيادتها‭ ‬وأمنها‭ ‬وسلامة‭ ‬أراضيها،‭ ‬وحماية‭ ‬مواطنيها‭ ‬والمقيمين‭ ‬على‭ ‬أرضها‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬تهديد‭.‬

ولعل‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬يلفت‭ ‬الانتباه‭ ‬في‭ ‬بيان‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬هو‭ ‬تلك‭ ‬الرسالة‭ ‬الواضحة‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬الاعتداءات‭ ‬لن‭ ‬تنال‭ ‬من‭ ‬عزيمة‭ ‬المملكة‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬تماسك‭ ‬شعبها،‭ ‬وهي‭ ‬رسالة‭ ‬تعكس‭ ‬الثقة‭ ‬بالدولة‭ ‬ومؤسساتها،‭ ‬كما‭ ‬تعكس‭ ‬وعي‭ ‬المجتمع‭ ‬البحريني‭ ‬بأن‭ ‬أمن‭ ‬الوطن‭ ‬مسؤولية‭ ‬جماعية،‭ ‬وأن‭ ‬التحديات‭ ‬الكبرى‭ ‬لا‭ ‬تزيد‭ ‬الأوطان‭ ‬المتماسكة‭ ‬إلا‭ ‬قوة‭ ‬وصلابة‭.‬

وفي‭ ‬السياق‭ ‬ذاته،‭ ‬يكتسب‭ ‬تضامن‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬الكامل‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬الشقيقة،‭ ‬ودعمها‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تتخذه‭ ‬من‭ ‬إجراءات‭ ‬مشروعة‭ ‬لحماية‭ ‬أمنها‭ ‬وسيادتها‭ ‬وسلامة‭ ‬مواطنيها‭ ‬والمقيمين‭ ‬على‭ ‬أراضيها،‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة،‭ ‬لأنه‭ ‬يعكس‭ ‬إيمانًا‭ ‬راسخًا‭ ‬بأن‭ ‬أمن‭ ‬الخليج‭ ‬منظومة‭ ‬واحدة،‭ ‬وأن‭ ‬استقرار‭ ‬المنطقة‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬إلا‭ ‬بتكاتف‭ ‬دولها،‭ ‬ووحدة‭ ‬مواقفها،‭ ‬واحترام‭ ‬سيادتها‭.‬

إن‭ ‬العالم‭ ‬يقف‭ ‬اليوم‭ ‬أمام‭ ‬مفترق‭ ‬طرق؛‭ ‬فإما‭ ‬أن‭ ‬ينتصر‭ ‬لمبادئ‭ ‬الشرعية‭ ‬الدولية،‭ ‬ويثبت‭ ‬أن‭ ‬القانون‭ ‬مازال‭ ‬المرجعية‭ ‬العليا‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬يسمح‭ ‬باستمرار‭ ‬الانتهاكات‭ ‬بما‭ ‬يقوض‭ ‬أسس‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬نفسه‭. ‬وحينها‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬الخسارة‭ ‬مقتصرة‭ ‬على‭ ‬دولة‭ ‬أو‭ ‬منطقة،‭ ‬بل‭ ‬ستمتد‭ ‬إلى‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬بأسره‭.‬

فاحترام‭ ‬السيادة،‭ ‬وحماية‭ ‬الملاحة‭ ‬الدولية،‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬ليست‭ ‬شعارات‭ ‬دبلوماسية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬الركائز‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬عليها‭ ‬أمن‭ ‬العالم‭ ‬واستقراره‭. ‬وكل‭ ‬تهاون‭ ‬في‭ ‬صون‭ ‬هذه‭ ‬المبادئ‭ ‬خطوة‭ ‬نحو‭ ‬عالم‭ ‬أقل‭ ‬أمنًا،‭ ‬وأكثر‭ ‬اضطرابًا،‭ ‬وأبعد‭ ‬عن‭ ‬العدالة‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬عليها‭ ‬الشرعية‭ ‬الدولية‭.‬

 

*كاتبة‭ ‬بحرينية