ميانمار.. حين تصبح الإغاثة اقتصادًا

| عبدالله بوقس

‭ ‬في‭ ‬ميانمار،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬المساعدات‭ ‬الإنسانية‭ ‬منفصلة‭ ‬عن‭ ‬الاقتصاد؛‭ ‬فكل‭ ‬كيس‭ ‬غذاء‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬أسرة‭ ‬نازحة،‭ ‬وكل‭ ‬دواء‭ ‬يعبر‭ ‬إلى‭ ‬قرية‭ ‬معزولة،‭ ‬وكل‭ ‬طريق‭ ‬يُفتح‭ ‬أمام‭ ‬شاحنة‭ ‬إغاثة،‭ ‬يعيد‭ ‬تشغيل‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬توقفت‭. ‬لذلك‭ ‬يُقرأ‭ ‬الاجتماع‭ ‬الذي‭ ‬عُقد‭ ‬مؤخرًا‭ ‬بين‭ ‬وزراء‭ ‬خارجية‭ ‬رابطة‭ ‬دول‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭ ‬‮«‬آسيان‮»‬‭ ‬ووزير‭ ‬خارجية‭ ‬ميانمار‭ ‬تين‭ ‬ماونغ‭ ‬سوي،‭ ‬بوصفه‭ ‬اختبارًا‭ ‬لقدرة‭ ‬المنطقة‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬الحياة‭ ‬قبل‭ ‬بحث‭ ‬الاستثمارات‭.‬

ولمن‭ ‬يراقب‭ ‬ميانمار‭ ‬من‭ ‬بعيد،‭ ‬تبدو‭ ‬الدولة‭ ‬العضو‭ ‬في‭ ‬رابطة‭ ‬‮«‬آسيان‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تضم‭ ‬11‭ ‬بلدًا،‭ ‬موزعة‭ ‬بين‭ ‬حكومة‭ ‬أفرزتها‭ ‬انتخابات‭ ‬شديدة‭ ‬القيود‭ ‬ولم‭ ‬تحظَ‭ ‬باعتراف‭ ‬الرابطة،‭ ‬وجيش‭ ‬يواصل‭ ‬القتال،‭ ‬وقوى‭ ‬مؤيدة‭ ‬للديمقراطية‭ ‬وجماعات‭ ‬عرقية‭ ‬مسلحة‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬متفرقة‭. ‬ومع‭ ‬اقتراب‭ ‬عدد‭ ‬النازحين‭ ‬من‭ ‬3‭.‬8‭ ‬مليون،‭ ‬تظل‭ ‬ما‭ ‬تُعرف‭ ‬بخطة‭ ‬السلام‭ ‬‮«‬توافق‭ ‬النقاط‭ ‬الخمس‮»‬‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬تحقيق‭ ‬وقف‭ ‬فعلي‭ ‬ومستدام‭ ‬للعنف‭.‬

ولا‭ ‬تكتمل‭ ‬صورة‭ ‬الأزمة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الروهينغيا،‭ ‬الأقلية‭ ‬المسلمة‭ ‬المحرومة‭ ‬من‭ ‬الجنسية‭ ‬في‭ ‬ميانمار،‭ ‬التي‭ ‬تحولت‭ ‬مأساتها‭ ‬منذ‭ ‬نزوح‭ ‬عام‭ ‬2017‭ ‬إلى‭ ‬جرح‭ ‬إقليمي‭ ‬مفتوح‭. ‬ويعيش‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مليون‭ ‬منهم‭ ‬في‭ ‬بنغلاديش‭ ‬معتمدين‭ ‬على‭ ‬المساعدات،‭ ‬فيما‭ ‬لجأ‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬إلى‭ ‬ماليزيا‭ ‬وإندونيسيا‭ ‬وتايلاند‭. ‬ومع‭ ‬استمرار‭ ‬القتال‭ ‬في‭ ‬ولاية‭ ‬راخين،‭ ‬تتراجع‭ ‬فرص‭ ‬العودة‭ ‬الآمنة،‭ ‬ويظل‭ ‬مصيرهم‭ ‬معلقًا‭ ‬بين‭ ‬اللجوء‭ ‬والانتظار‭ ‬دون‭ ‬أفق‭ ‬واضح‭.‬

ولهذا‭ ‬ركز‭ ‬وزراء‭ ‬خارجية‭ ‬‮«‬آسيان‮»‬‭ ‬في‭ ‬اجتماعهم‭ ‬على‭ ‬خطوات‭ ‬عملية‭ ‬تشمل‭ ‬خفض‭ ‬العنف،‭ ‬وتوسيع‭ ‬وصول‭ ‬المساعدات،‭ ‬وفتح‭ ‬حوار‭ ‬سياسي‭ ‬أشمل‭. ‬فالمطلوب‭ ‬ليس‭ ‬عبور‭ ‬شاحنات‭ ‬لمرة‭ ‬واحدة،‭ ‬بل‭ ‬إنشاء‭ ‬ممرات‭ ‬إنسانية‭ ‬مستقرة،‭ ‬وتنشيط‭ ‬الأسواق،‭ ‬وحماية‭ ‬المدارس‭ ‬والعيادات‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬توسيع‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬الحكومة‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬نايبيداو‭ ‬قد‭ ‬يُفهم‭ ‬تخفيفاً‭ ‬لعزلتها،‭ ‬رغم‭ ‬استمرار‭ ‬القتال‭ ‬وغياب‭ ‬التقدم‭ ‬السياسي‭.‬

ويفسر‭ ‬تدهور‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الميانماري‭ ‬ضرورة‭ ‬الاستعجال‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬الأزمة‭. ‬فقد‭ ‬قدّر‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬انكماش‭ ‬الناتج‭ ‬الحقيقي‭ ‬بنسبة‭ ‬2‭ % ‬خلال‭ ‬السنة‭ ‬المالية‭ ‬2025‭ /‬‏‭ ‬2026،‭ ‬مع‭ ‬نمو‭ ‬محدود‭ ‬بالمعدل‭ ‬نفسه‭ ‬لاحقًا،‭ ‬بينما‭ ‬بلغ‭ ‬التضخم‭ ‬24‭.‬6‭ % ‬في‭ ‬أبريل‭. ‬فارتفاع‭ ‬الوقود‭ ‬والنقل‭ ‬يضغط‭ ‬على‭ ‬الغذاء‭ ‬والتعليم‭ ‬والعلاج،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬المصانع‭ ‬وحدها‭.‬

أما‭ ‬خليجيًّا،‭ ‬فلا‭ ‬تنحصر‭ ‬أهمية‭ ‬ميانمار‭ ‬في‭ ‬كونها‭ ‬سوقًا‭ ‬آسيوية‭ ‬مضطربة‭ ‬أو‭ ‬بلدًا‭ ‬غنيًّا‭ ‬بالموارد،‭ ‬بل‭ ‬تمثل‭ ‬اختبارًا‭ ‬لقدرة‭ ‬العمل‭ ‬الإنساني‭ ‬على‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬تنمية‭ ‬تحمي‭ ‬المجتمعات‭ ‬من‭ ‬الانهيار‭. ‬ويمكن‭ ‬للتمويل‭ ‬الخليجي،‭ ‬مدعومًا‭ ‬بالخبرة‭ ‬اللوجستية‭ ‬والتنموية،‭ ‬دعم‭ ‬الغذاء‭ ‬والعيادات‭ ‬والتعليم‭ ‬ومشروعات‭ ‬الدخل‭ ‬الصغيرة‭ ‬داخل‭ ‬ميانمار‭ ‬وخارجها،‭ ‬ولاسيما‭ ‬بين‭ ‬الروهينغيا‭ ‬المسلمين،‭ ‬بما‭ ‬يحفظ‭ ‬أسباب‭ ‬البقاء‭ ‬ويهيئ‭ ‬أرضية‭ ‬للسلام،‭ ‬دون‭ ‬منح‭ ‬أي‭ ‬طرف‭ ‬مكاسب‭ ‬سياسية‭.‬

السلام‭ ‬لا‭ ‬يبدأ‭ ‬دائمًا‭ ‬من‭ ‬منصة‭ ‬مفاوضات؛‭ ‬أحيانًا‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬شاحنة‭ ‬تعبر،‭ ‬وسوق‭ ‬يفتح،‭ ‬ولاجئ‭ ‬يستعيد‭ ‬اسمه،‭ ‬وطفل‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬مقعد‭ ‬دراسته‭. ‬وحين‭ ‬تصبح‭ ‬الإغاثة‭ ‬اقتصادًا،‭ ‬تصبح‭ ‬حماية‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬أول‭ ‬خطوة‭ ‬لإعادة‭ ‬ميانمار‭ ‬إلى‭ ‬نفسها،‭ ‬قبل‭ ‬إعادتها‭ ‬إلى‭ ‬محيطها‭.‬

 

‭* ‬صحافي‭ ‬وكاتب‭ ‬إندونيسي،‭ ‬مهتم‭ ‬بشؤون‭ ‬منطقة‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬كوالالمبور