درس من كواليس غرفة التجارة

| خالد عبدالله المرباطي

الكلمة ليست مجرد حروف تنطق أو تُكتب، بل هي مرآة تعكس الفكر، وبوابة تكشف عن المبادئ، والبديل الأول للهوية؛ فحقاً “كلماتك هي عنوانك”. في العمل المؤسسي والوعي المجتمعي، قد ترسم الكلمة المباشرة خطاً فاصلاً في مسيرتك المهنية، ليس لأنها خاطئة، بل لأنها قيلت دون مساحيق تجميلية في وقت كان الجميع يفضل فيه لغة الدبلوماسية والورود. بالعودة إلى الذاكرة، وتحديداً في مطلع أكتوبر من العام 2002، حين شرفت بتولي مهام عملي كأول مدير لإدارة شؤون اللجان في تاريخ غرفة تجارة وصناعة البحرين، كانت الأجواء مفعمة بالحيوية والتطلعات. وفي أواخر نوفمبر من العام نفسه، حضرت اجتماع للجنة “سيدات الأعمال” برئاسة السيدة الفاضلة منى يوسف المؤيد. كانت تلك الفترة تشهد حراكاً استثنائياً؛ فقد سجلت الدورة (25) لمجلس إدارة الغرفة إنجازاً تاريخياً غير مسبوق للمرأة البحرينية بفوز السيدة منى المؤيد كأول سيدة أعمال تنال عضوية المجلس بالانتخاب. وفي ظل هذا الانتصار والمناخ الجديد، كان لدى سيدات الأعمال طموح جارف وتوجه واضح ومبرر للبروز والظهور على الساحة الاقتصادية بكيان مستقل وبوضوح تام، بدلاً من الانصهار والذوبان في عضوية بقية اللجان القطاعية الأخرى. وسط هذه الأجواء الطموحة، لم يكتمل النصاب القانوني للاجتماع يومها، وبدافع العصف الذهني والاستئناس بالآراء، طُلب مني إبداء الرأي في اللجنة ودورها. وبمنتهى العفوية والصراحة التي تنبع من رؤية إدارية وتجريدية بحتة، قلت: “أنا لا أرى أي داعٍ لوجود هذه اللجنة!”. وقع الكلمات كان صادماً، واستهجنت الحاضرات هذا الرأي وتساءلن عن السبب مستغربات. فجاء توضيحي مبنياً على فلسفة المساواة والتمكين الكامل: إن سيدات الأعمال موجودات بكفاءة في كافة اللجان القطاعية والتخصصية بالغرفة، فما الداعي لعزلهن في لجنة خاصة؟ ورجال الأعمال موجودون أيضاً في كل اللجان، فهل ننشئ لهم لجنة بمسمى “لجنة رجال الأعمال”؟ أضفت يومها موضحاً: “لو كنا في دولة تفتقر فيها المرأة للتمثيل في اللجان الاقتصادية، لكانت لجنتكن هذه ضرورية وملحة لتناقشن من خلالها ما يهمكن، أما اليوم فأنتن في قلب القرار”.. وكان الرد المقتضب والمهذب حينها: “شكراً لوجهة نظرك”. بالطبع، لم تقف القصة عند هذا الحد. في صباح اليوم التالي، استدعاني المدير العام للغرفة مستفسراً عما دار في الاجتماع، فسردت له تفاصيل الحوار بدقة وأمانة، فجاء قراره فورياً: “من اليوم، لا علاقة لإدارتك بهذه اللجنة”. في ذلك الموقف، ومن خلال كلماتي المباشرة، عَرفَت سيدات الأعمال شخصيتي واعتبرنها “عنواني”. بَنَينَ اعتقاداً – كان خاطئاً بلا شك – بأنني ضد وجودهن أو ضد لجنتهن، بينما الحقيقة أن كلماتي كانت حادة، صريحة، وليست منمقة أو مغلفة بوعود وردية تليق بمقامهن وطموحهن المستحق لفرض هويتهن الاقتصادية المستقلة حديثة الولادة، كما أنني لم أَتبع رأيي بعبارات بروتوكولية تؤكد التزامي ببذل أقصى جهد لإنجاح مهمتهن. النتيجة؟ زال عن كاهلي عبء إداري كبير في بداية مشواري بالغرفة. لكن الدرس الأكبر الذي خرجت به، ويظل صالحاً لكل زمان ومكان، هو أن الكلمة الصادقة والمباشرة قد تكلّف صاحبها سوء فهم مؤقت، أو تغيير في مسارات العمل، لكنها تظل العنوان الحقيقي لـ “الاستقامة المهنية” التي لا تعرف المواربة. ونعم.. كلماتك هي عنوانك، فاختر لعنوانك ما يمثلك حقاً.

 

‭* ‬مدير‭ ‬أول‭ ‬سابق‭ ‬بغرفة‭ ‬تجارة‭ ‬وصناعة‭ ‬البحرين