واقع تعليم اللغة العربية فـــي مــؤسســــات التعليـــم
| د. شمسان المناعي
اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم الذي نزل به الروح الأمين على النبي محمد صلى الله عليه وسلم رسول العالمين، إذ يقول سبحانه وتعالى في محكم كتابه: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ)، النحل: 103. فاللغة ليست مجرد أداة تواصل بين بني البشر كما يظن البعض، إنما لها مهمة أكبر من ذلك؛ فهي تحفظ هوية المجتمع، وتعد وعاء ثقافته، فإذا أردنا أن نبحث عن أمة من الأمم وندرس تاريخها، علينا أن نرجع إلى لغتها، فلا وجود لأمة من الأمم إلا ولها لغة خاصة بها. بيد أنه في عصرنا الحاضر، فإن قراءة سريعة لواقع تعليم اللغة العربية في مؤسسات التعليم المختلفة تكشف لنا أنها مهمشة بسبب الكثير من الأخطار الداخلية والخارجية. ومن هذه الأخطار مزاحمة اللغات الأجنبية لها وخاصة اللغة الإنجليزية؛ حيث يبدأ الطفل في عملية النطق في الروضة أو في الحلقة الأولى من التعليم الابتدائي الذي بدوره يعتمد على الاستماع، فأول من يستمع إليها هي المربية الأجنبية في الأسرة، والتي أصبحت تلقنّ أطفالنا بلغتها على حساب لغتنا العربية، فهذا أول معوق للنمو اللغوي عند الطفل، وبسببه ضعفت لغتنا عند أطفالنا. ومن المفارقات العجيبة أن بعض الآباء - خصوصا في تلك الأسر التي تلحق أبناءها بالمدارس الخاصة - عندما يتحدث أطفالهم باللغة الإنجليزية يفتخرون بهم، ولا يشعر هؤلاء الآباء أنهم بذلك يساعدون على القضاء على لغتهم الأصلية التي تعينهم على تربية أطفالهم وإكسابهم الثقافة العربية الإسلامية تحصيناً لهم من هذا السيل الطاغي من اللغات الوافدة التي تضيع هوية الطفل. كذلك تتعرض لغتنا العربية اليوم لتحديات داخلية أخرى، ولعل أهم هذه التحديات إحلال اللغة العامية محل الفصحى في كثير من المجالات، خصوصا في وسائل الإعلام والتعليم. فالناظر إلى وسائل الإعلام، ولاسيما المسموعة والمرئية، الأرضية منها والفضائية، يجد أن اللغة المستخدمة هي العامية، ولا تستعمل الفصحى إلا في نشرات الأخبار؛ أما البرامج والمسلسلات والأفلام والمسرحيات والتعليق على المباريات وغير ذلك فأغلبها بالعامية. لذا لابد أن نكون منصفين وعادلين في الموازنة بين العامية والفصحى، فلم لا توجد هناك برامج ناطقة باللغة العربية؟ خصوصا أن لدينا تجارب ناجحة في هذا المجال على سبيل المثال لا الحصر البرامج المخصصة للأطفال التي كانت تجذبهم مثل “برنامج افتح يا سمسم”، والذي تم إنتاج النسخة الثانية منه وكيف يتجاوب الأطفال معه. وكذلك هناك قنوات موجهة للطفل باللغة العربية الفصحى مثل قناة “سبيستون”، وكيف كان لها أثر كبير في الارتقاء بنطق الأطفال؛ فالأطفال متعلقون بها جداً، ويفهمونها جيداً بسبب التزامها باللغة العربية الفصحى في كل ما تبثه، وهذا دليل قوي على أهمية السماع في تكوين الملكة اللغوية وتنميتها عند الطفل، كما أنه دليل قوي على أهمية وسائل الإعلام المرئية خصوصاً في علاج المشكلة اللغوية والارتقاء بالفصحى. ومن أهم الأخطار التي تهدد اللغة العربية هو واقع تعليمها في المدرسة؛ حيث إنه في الوقت الذي يكون فيه الهدف الأساسي للتعليم المدرسي هو غرس اللغة الأصلية منذ الطفولة لكي نكون هوية ثقافية للطفل، نجد في مؤسسات التعليم أن التلميذ لا يسمع المعلم يتكلم الفصحى إلا داخل الصف، أما خارج الصف فلا يسمع إلا اللغة العامية. وكذلك الحال فيما يُدرّس في مؤسسات التعليم وخاصة المدارس الخاصة حيث تكاد تنتفي اللغة العربية، وما إن يصل الطالب إلى الجامعة حتى تكاد تنقرض اللغة العربية لديه قراءة وكتابة. لذلك نجد أن غالبية الجامعات الخاصة تكون اللغة المعتمدة فيها وفي أغلبية مقرراتها هي اللغة الإنجليزية، وهذا يشكل ضغطاً سلبياً على انتشار اللغة العربية داخل جامعاتنا، فضلاً عن أن كل الاهتمام منصب على التدريس باللغة الإنجليزية، ولا يُقبل الطالب في معظم الكليات إلا بعد أن يجتاز اختباراً في اللغة الإنجليزية. وما يؤلم أن برامج بكالوريوس اللغة العربية لا توجد إلا في الجامعة الوطنية، أما الجامعات الخاصة عندنا فلا تدرج في خططها الدراسية برامج بكالوريوس اللغة العربية، سوى مقرر تمهيدي واحد في بداية التحاق الطالب بالجامعة، وكل المعاملات فيها تتم باللغة الإنجليزية، وذلك نتاج العولمة. وهنا يجب على كل المعنيين والمهتمين، والمواطن أياً كان مكانه ومهما كانت حدود مسؤوليته، إدراك أن التمسك باللغة العربية الصحيحة والمبسطة هو خط الدفاع الأخير عن هذه الهوية. ورغم كل ذلك، إلا أن اللغة العربية لن تندثر كما يرغب البعض لسبب واحد، وهو أنها لغة القرآن الكريم الذي تعهد المولى سبحانه وتعالى بحفظه إذ يقول (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).
* كاتب وأكاديمي بحريني