الرِّقُّ والبَخْس

| محمد عبدالله العلي

هذا المشهد جرى في أربعينات القرن الماضي. (هـ. م.) أرملة رقيق متوفَّى، هَرَبَت بعد أن لاقت من “سيدها” ونسائه مشقة لا تُوصف. شاب (ع. ط.) وُلِدَ رقيقًا لأبوين كانا رَقِيقَيْن أيضًا، ثم أصبح أسيرًا بعد ذهاب زعامة “سيده” ليتم بيعه رقيقًا مرة أخرى. في آخر عمل له - وطيلة 9 سنوات - كان “سيده” يستولي على كامل راتبه البسيط إلى أن هرب. هذا الحرمان لازم الكثير من الرقيق آنذاك. كان هؤلاء وغيرهم يأتون إلى البحرين للتحرُّر والانعتاق. فقد حَظَرَت البحرين الرِّق مطلع القرن الماضي، ثم أكَّدت ذلك مرة أخرى في 11 أغسطس العام 1937م. كان نَصُّ المنع شاملاً: “كلُّ من يستورد، أو يُصدِّر، أو يشتري، أو يبيع، أو يمتلك، أيَّ شخص بوصفه رقيقًا يقع تحت طائلة العقوبة بالحبس والغرامة”. كان الرقيق يحصلون على شهادة عِتْق. لكن هذه الشهادة ظلت في أحيان كثيرة إما أن “تُفقد” أو “تُرهَن” أو “تُستعاد”. فإنْ رَكب الرقيق في قارب كان قَدَره الغرق، غَرَقَت معه شهادة عِتْقِه، فيعود رقيقًا. أما رَهْن الشهادة، فهي حين يكون الرقيق مَدينًا، إذْ لا يكون حرًّا إلاَّ إذا سَدَّد ما عليه من دَيْن. وعندما يعجز عن سداده، تُستَعاد شهادة العِتْق منه فيعود رقيقًا عند “سيده”. اليوم لا يوجد مَنْ يُباع كـ رِقْ، لكن هناك مَنْ يُباع عمله بأقل من قيمته. بمعنى أنه لم يعد هناك استعبادٌ للأجساد، إنما استحواذ لحياتها وطاقتها. هذه الخسارة في القيمة يتلقفها “المقتدرون في المال والنفوذ” كقوة لإنتاج قيمة أكبر مما دفعوه من أجر لصاحبه الحقيقي، الذي يُقدِّمه وهو مُكرَه اقتصاديًّا ومعيشيًّا. في الرِّق لا يظهر عمل “العَبْد” وكأن له أجرًا، لكن صورة الاستغلال اليوم أن هناك أجرًا متواضعًا يُخفي الجزء غير المدفوع من قوة العمل، لشخص أنتَجَ أكثر مما تقاضى، في ذات الوقت الذي يُوجد فيه بجواره مَنْ يتقاضى أجرًا أكثر مما أنتج، وبكفاءة أقل، وهذا هو البَخْسُ بعينه.