القراءة الثانية
| د.حورية الديري
يعتاد الإنسان أن يقرأ العالم بعينيه، بينما تبدأ أكثر القراءات عمقًا حين يقرأه بعقله. فما يحدث أمامنا ينتظر من يمنحه تفسيرًا يتجاوز ظاهر الوقائع، إذ يتشارك الناس الحدث ذاته، ثم يغادر كل واحد منهم حاملًا عالمًا مختلفًا، لأن الذي يصنع التجربة في النهاية الطريقة التي يستقر بها في الوعي. ولعل أكبر الأوهام التي يقع فيها الإنسان أن يظن أن الحقيقة تُرى من النظرة الأولى، فالنظرة الأولى تلتقط الصورة، أما القراءة الثانية فتبحث عما لا يظهر في الصورة؛ تبحث عن السياق الذي سبقها، والأسئلة التي أخفتها، والنتائج التي بدأت تتشكل قبل أن يلتفت إليها أحد. ولهذا كانت الحكمة دائمًا ابنة التأمل، ولم تكن يومًا ابنة الاستعجال. والحياة بدورها لا تكشف أسرارها دفعة واحدة، إذ تمنح لكل مرحلة قدرًا من الفهم يتناسب مع نضج صاحبها، وما بدا في زمنٍ خسارةً قد يُقرأ بعد سنوات بوصفه بداية مختلفة، وما ظنه الإنسان تأخرًا قد يكتشف أنه كان الزمن الذي احتاجه وعيه كي يكتمل. وهكذا تتغير الأحكام كلما اتسعت الرؤية، لأن الزمن لا يبدل الأحداث بقدر ما يبدل قارئها، لذلك فإن مراجعة الذات من أقوى أساليب الاقتراب منها، فالعقول الناضجة لا تخشى الاعتراف بأنها كانت ترى جزءًا من الحقيقة، لأن اتساع الفهم يضيف إلى الرؤية ولا ينتقص منها. واليوم، في زمن تتدفق فيه الأخبار بسرعة غير مسبوقة، تبدو الحاجة إلى القراءة الثانية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالحياة تمنح كل من يتواضع أمامها فرصة جديدة للفهم، لذلك فإن القراءة الثانية لا تغيّر العالم، لكنها كثيرًا ما تغيّر الإنسان الذي ينظر إليه، وحين يتغير الإنسان تتغير صورة العالم في عينيه. ويبقى السؤال الذي يستحق أن يرافقنا كلما واجهنا حدثًا جديدًا: هل اكتفينا بالنظرة الأولى، أم منحنا أنفسنا فرصة للقراءة الثانية؟ ففي تلك القراءة تبدأ المسافة الفاصلة بين من يكتفي برؤية العالم، ومن يمتلك القدرة على فهمه. الجملة الخالدة: “النظرة الأولى ترى ما وقع، أما القراءة الثانية فتكتشف ما أراد الواقع أن يقوله”.
كاتبة وأكاديمية بحرينية