الخطاب الديني والذكاء الاجتماعي
| هدى حرم
في مشهدٍ يتسم بالسيولة الفكرية والتدفق المعلوماتي الهائل، يجد الإنسان المعاصر نفسه محاصرًا بأسئلة وجودية حائرة، وأزمات نفسية وقيمية بالغة التعقيد. وفي خضم هذا التيه المتلاطم، يُفترض بالخطاب الديني أن يمثل المرفأ الآمن، والبوصلة الهادئة التي تمنح الروح طمأنينتها، وتجيب عن تطلعاتها العميقة. غير أن المتأمل في واقع الكثير من الأطروحات والمنصات الدعوية اليوم، يلحظ فجوةً آخذة في الاتساع بين لغة الوعظ السائدة وواقع المتلقي؛ وهي فجوة لا تتعلق أبدًا بجوهر النص الديني الثابت وصلاحه لكل زمان ومكان، إنما بالذكاء الاجتماعي لمن يتصدر لتوجيهه، وسياق هندسة هذه الرسالة وإيصالها. إن السؤال الحاضر بقوة اليوم في الصالونات الفكرية والمنتديات المعاصرة، والذي يفرض نفسه بإلحاح، هل بات الخطاب الديني يفتقر إلى الذكاء الاجتماعي كأداة جوهرية للربط والتأثير والوصول إلى أفئدة العباد؟ وقبل تفكيك هذه الإشكالية وسبر أغوارها، يجدر بنا تحديد مفهوم الذكاء الاجتماعي في هذا السياق البلاغي والفكري؛ إنه ليس مجرد مهارة تواصلية عابرة، أو ممارسات بروتوكولية مغلفة بالمجاملة، بل هو القدرة العميقة والنافذة على قراءة سيكولوجية الجماهير، وفهم التحولات الثقافية والاجتماعية والزمنية المحيطة بالمتلقي، ومن ثمَّ إعادة صياغة الرسالة بلغةٍ حيّة تفكّك شفرات واقعه اليومي وتلامس تطلعاته المعرفية والنفسية، دون إخلال بالثوابت أو تمييع للمضامين. وإذا ما قلبنا صفحات التاريخ، نجد أن الخطاب الديني في أوج عطائه ونبوغه وحضارته كان يمثل الذروة في هذا الذكاء؛ إذ تجلى ذلك في المراعاة الدقيقة لأحوال المخاطَبين وتنوع منازعهم الفكرية والنفسية. فالقرآن الكريم نزل منجمًا مواكبًا للوقائع، وصاغ أحكامه متدرجًا ومراعيًا الطبيعة البشرية، متبعًا القاعدة الأصولية الراسخة التي تحث على مخاطبة الناس على قدر عقولهم وفهمهم. إلا أن المشهد الراهن، وللأسف، يُظهر تراجعًا ملحوظًا في هذا التوظيف الحاذق لطبيعة النفس الإنسانية ومكونات المجتمع المعاصر.
إن المتفحص للممارسات الدعوية المعاصرة يستطيع أن يلمس مظاهر واضحة لقصور هذا الذكاء، ولعل أبرزها يتلخص أولًا في جنوح بعض الوعاظ والمفكرين نحو التعالي المعرفي ولغة الاستعلاء، والوقوع في فخ “البرج العاجي”؛ حيث يُوجه الخطاب بلغة نخبوية مغرقة في المصطلحات التراثية الجافة، أو بنبرة وصائية تُشعر المتلقي بالدونية الأخلاقية أو الفكرية، في حين أن الذكاء الاجتماعي يقتضي النزول إلى ساحات الناس العامة، والتحدث بلسان العصر الحاضر، وتجنب لغة الترهيب الدائم التي تولد النفور والوجل بدلاً من البناء والسكينة، فالقلوب جُبلت على الرفق والترغيب لا الزجر والملامة. ويتمثل المظهر الثاني في الانفصال التام عن قضايا الواقع الحارقة والأزمات المعيشية، فمن المؤلم للقارئ والمستمع المعاصر أن يرى انشغال بعض المنصات الدينية بمعارك فكرية وتاريخية بادت، أو تفاصيل فقهية فرعية لا تلامس واقعه الحالي، في الوقت الذي يبحث فيه الشباب عن إجابات شافية لأزمات الوجود، ومعايير العدالة، وضغوطات الحياة الرقمية، والمشكلات الأسرية المتسارعة؛ وغياب هذا التموضع الذكي يجعل الخطاب يبدو وكأنه يغرد في وادٍ سحيق، والناس في وادٍ آخر تمامًا. أما المظهر الثالث فهو إغفال سيكولوجية الأجيال الجديدة أو “الجيل الرقمي” الذي نشأ في بيئة بصرية تفاعلية وسريعة الإيقاع، تتسم بالنقد الفوري وعدم التسليم المطلق إلا بالبرهان العقلي المقنع الذي يمزج بين العقل والعاطفة بحرفية؛ وعندما يواجه هذا الجيل خطابًا يعتمد الصراخ أو التلقين البارد، ويفتقر مهارات الحوار وأدوات الإقناع الحديثة، يحدث فورًا طلاقًا نفسيًا ووجدانيًا بينه وبين المؤسسة الدينية. إن افتقار الخطاب لهذه المهارة المحورية لا يمر دون أثمان باهظة تدفعها المجتمعات من رصيدها القيمي واستقرارها الفكري؛ ومن أخطر هذه التداعيات الاغتراب الروحي، وتحول التدين لدى البعض إلى مجرد طقوس وشكليات مفرغة من المعنى والجمال الإنساني، ما يقود الشباب في نهاية المطاف إلى العزوف عن المنظومة برمتها. كما يؤدي ذلك إلى بروز بدائل فكرية مشوهة؛ فعندما يفشل الخطاب الرصين في ملء الفراغ العاطفي والمعرفي بذكاء وحكمة، تصبح الساحة مهيأة لتيارات التطرف والغلو من جهة، أو موجات التحلل والعدمية والإلحاد من جهة أخرى، وكلتاهما تقتاتان وتزدهران على غياب الوعي الحقيقي والخطاب المتزن.
كاتبة بحرينية