وقارُ الامتلاء.. وجلبةُ العربة الفارغة
| د. بثينة خليفة قاسم
تضعنا تقلبات الحياة - في كثير من الأحيان - أمام مواقف تكشف لنا تباين ردود الأفعال البشرية تجاه تفاصيل الواقع، ما يضع السلوك الإنساني على محكّ النقد والتقييم. وفي هذا السياق، تبرز فئة تتخذ من الصراخ الدائم والشكوى المتواترة وسيلةً لإثبات الذات. إن هذا الضجيج المحيط بالمرء ليس في جوهره إلا صخبًا مفتعلًا، كثيرًا ما يُستحضر لستر خواءٍ فكريٍ مطبق، والعجز عن بلوغ أدنى مراتب الإتقان أو الفاعلية. وتقودنا هذه الحالة إلى توصيف دقيق يختزل المشهد بعبارة موجزة: “وحدها العربة الفارغة كثيره الجلبة”. فأصحاب النفوس الثرية يمشون في دروب الحياة بخطى واثقة ووقار، أولئك الذين يحملون في جعبتهم فكرًا منتجًا يكرسون وقتهم لبناء الأساسات، ويتركون الحديث لنتائج إنجازاتهم. وفي المقابل، يندفع أولئك الذين خلا وفاضهم من أي محتوى حقيقي نحو افتعال الصخب وإثارة الضجيج، واهمين بأن الصوت العالي كفيل بمنحهم حضورًا، أو أنه سيغطي على غياب أثرهم في واقعهم. أما الإمعان في لوم الظروف والمحيط واختلاق المظلوميات، فليس إلا هروبًا من مواجهة الفشل والقصور الذاتي. إذ يحاول هؤلاء توجيه بوصلة النقد نحو الآخرين ليصرفوا الأنظار عن حقيقة إخفاقاتهم. وهنا تكمن المفارقة الصارخة، فالشخص الأكثر ضجيجًا هو نفسه الذي تكشف له المرآة عن أكبر قدر من العيوب والنواقص. إنهم يُسقطون فشلهم على العالم الخارجي، ظانين أن إثارة الغبار، ورفع عقيرة الصوت، وصناعة الصخب، ستعفيهم من استحقاق البناء، مؤكدين بذلك حقيقةً ثابتة مفادها أن للامتلاء وقارًا وسكينة، وأن الضجيج صنوٌ للفراغ.