ورق أبيض

كوميديا خارج النص.. حين يصبح الابتذال وسيلة للإضحاك

| موسى عساف

بعد قطيعة استمرت سنوات مع قاعات السينما قررت أخيرًا أن أكسر المقاطعة وأشاهد أحد الأفلام العربية، بناءً على ترشيح عدد من الزملاء الذين أشادوا بالفيلم ووصفوه بأنه تجربة مختلفة تستحق المشاهدة. دخلت القاعة وأنا لا أحمل توقعات كبيرة، فقد كان هدفي ساعتين من الترفيه فقط، أو كما يقال “تغيير جو”. لم يمض وقت طويل حتى بدأت الإيحاءات اللفظية ذات الطابع الجنسي تتكرر بصورة لافتة، ترافقها ضحكات عدد من الشباب على يميني، فيما تحاول مجموعة من السيدات في الخلف كتم ضحكات خجولة، حتى يخيل إليك أنه تم حشو هذه الحوارات والجمل بمناسبة ومن دون مناسبة من أجل انتزاع ضحكات الجمهور، حتى بدت كأنها إحدى الأدوات الرئيسة لصناعة الكوميديا. مقالتي هذه ليست نقدًا أو تحليلًا أو حتى نقاشًا عن الإخراج أو التمثيل أو الحبكة، بل هي مجرد ملاحظات مشاهد عادي بشأن ما وصلت إليه الدراما بشكل عام، إذ أصبحت ظاهرة من الواجب التوقف عندها، لا لأنها تخص هذا الفيلم وحده، بل لأنها باتت تتكرر في كثير من الأعمال التي تعرض على الشاشات والمنصات وتقدم اليوم بوصفها كوميديا أو ترفيها. ما يمكن ملاحظته أن صناع الأفلام، كمحاولة للخروج من المساءلة الأخلاقية، وربما القانونية، يعمدون إلى وضع إشارات على أعمالهم تفيد بأنها “للكبار فقط”، كأن تجاوز حدود الذوق العام لا علاقة له بالكبار، أو أن مجرد تجاوز المشاهد سنًا معينة يمنحه حصانة أخلاقية تجعله بمنأى عن تأثير ما يشاهده. 

المشكلة ليست في الفئة العمرية المستهدفة، وإنما في الرسالة التي يراد تمريرها، وفي الاعتماد المتزايد على الإيحاءات والابتذال بوصفها وسيلة سهلة لإضحاك الجمهور، كأن الإبداع لم يعد قادرًا على صناعة الكوميديا إلا عبر كسر الحواجز الأخلاقية واللغوية. الأخطر من ذلك أن هذه الممارسات لم تعد استثناء، بل أصبحت تتكرر في كثير من الأعمال الدرامية، حتى بات المشاهد يتوقعها قبل أن يبدأ الفيلم. وهنا يبرز السؤال الحقيقي: هل وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الابتذال معيارًا للجرأة، والإيحاء بديلًا عن النص الذكي، والمشهد الصادم وسيلة مضمونة لتحقيق الإيرادات؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فإن الأزمة لم تعد أزمة فيلم بعينه، بل أزمة صناعة تبحث عن الضحكة السهلة، فالضحكة التي تبنى على الابتذال قد تحقق إيرادات، لكنها لا تصنع فنًا ولا ترتقي بذائقة المجتمع.

‭*‬كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬أردني