بروناي وسؤال السياحة الهادئة

| عبدالله بوقس

‭ ‬حين‭ ‬تستهدف‭ ‬بروناي‭ ‬رفع‭ ‬عدد‭ ‬زوارها‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬1‭.‬4‭ ‬مليون‭ ‬بحلول‭ ‬عام‭ ‬2035،‭ ‬فإنها‭ ‬تطرح‭ ‬سؤال‭ ‬السياحة‭ ‬الهادئة‭ ‬لا‭ ‬بوصفه‭ ‬شعارًا،‭ ‬بل‭ ‬معادلة‭ ‬اقتصادية‭: ‬كيف‭ ‬تجعل‭ ‬دولة‭ ‬صغيرة‭ ‬وهادئة‭ ‬السياحة‭ ‬قطاعًا‭ ‬قابلًا‭ ‬للنمو،‭ ‬لا‭ ‬نشاطًا‭ ‬موسميًّا‭ ‬محدود‭ ‬الأثر؟‭ ‬فقد‭ ‬ارتفع‭ ‬عدد‭ ‬الزوار‭ ‬من‭ ‬678037‭ ‬زائرًا‭ ‬في‭ ‬2024‭ ‬إلى‭ ‬763375‭ ‬زائرًا‭ ‬في‭ ‬2025،‭ ‬لكن‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬الأعداد‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬السائح‭ ‬إلى‭ ‬إنفاق‭ ‬محلي،‭ ‬وفرصة‭ ‬عمل،‭ ‬ومشروع‭ ‬صغير،‭ ‬وبيانات‭ ‬تساعدها‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬اقتصاد‭ ‬أقل‭ ‬اعتمادًا‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬الباب‭ ‬أطلقت‭ ‬بروناي‭ ‬منصة‭ ‬Nakhoda،‭ ‬وهي‭ ‬منصة‭ ‬سياحية‭ ‬رقمية‭ ‬طورتها‭ ‬شركة‭ ‬محلية‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬إدارة‭ ‬تنمية‭ ‬السياحة،‭ ‬لتكون‭ ‬سوقاً‭ ‬إلكترونية‭ ‬تعرض‭ ‬رحلات‭ ‬قرية‭ ‬كامبونغ‭ ‬آير‭ ‬المائية،‭ ‬وغابات‭ ‬أولو‭ ‬تمبورونغ،‭ ‬ونهر‭ ‬بروناي،‭ ‬وشاطئ‭ ‬موار،‭ ‬ومتحف‭ ‬الشعارات‭ ‬الملكية،‭ ‬والباقات‭ ‬الثقافية‭ ‬والطبيعية،‭ ‬مع‭ ‬قبول‭ ‬المدفوعات‭ ‬غير‭ ‬النقدية‭. ‬وتضم‭ ‬مخططًا‭ ‬مدعومًا‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬يقترح‭ ‬برامج‭ ‬تناسب‭ ‬اهتمامات‭ ‬الزائر‭ ‬وميزانيته،‭ ‬ويحوّل‭ ‬المقومات‭ ‬المتفرقة‭ ‬إلى‭ ‬منتج‭ ‬قابل‭ ‬للحجز‭ ‬والقياس‭ ‬السياحي‭.‬

وتكتسب‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬أهميتها‭ ‬من‭ ‬طبيعة‭ ‬الخلل‭ ‬الذي‭ ‬تعترف‭ ‬به‭ ‬بروناي‭ ‬نفسها‭. ‬فالمشكلة‭ ‬ليست‭ ‬غياب‭ ‬المقومات،‭ ‬بل‭ ‬ضعف‭ ‬حضورها‭ ‬الرقمي؛‭ ‬معلومات‭ ‬متفرقة،‭ ‬وقنوات‭ ‬بيع‭ ‬محدودة،‭ ‬ومشغلون‭ ‬صغار‭ ‬لا‭ ‬يملكون‭ ‬دائمًا‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬السائح‭ ‬الأجنبي‭. ‬لذلك‭ ‬تأتي‭ ‬المنصة‭ ‬قبل‭ ‬حملة‭ ‬‮«‬زيارة‭ ‬بروناي‭ ‬2027‮»‬‭ ‬لا‭ ‬بوصفها‭ ‬إعلانًا‭ ‬سياحيًّا‭ ‬عابرًا،‭ ‬بل‭ ‬كبنية‭ ‬رقمية‭ ‬تمهّد‭ ‬للموسم،‭ ‬وتربط‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭ ‬والسوق‭.‬

اقتصاديًّا،‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬الطريق‭ ‬طويلًا‭. ‬فقد‭ ‬بلغت‭ ‬مساهمة‭ ‬قطاع‭ ‬السياحة‭ ‬في‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬160‭.‬2‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬بروناي‭ ‬في‭ ‬2025،‭ ‬أي‭ ‬نحو‭ ‬124‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬أميركي،‭ ‬مقارنة‭ ‬بـ156‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬بروناي‭ ‬في‭ ‬2024‭. ‬لكن‭ ‬تقريرا‭ ‬صادرا‭ ‬عن‭ ‬إدارة‭ ‬التخطيط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والإحصاء‭ ‬فير‭ ‬بروناي‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الزيادة‭ ‬جاءت‭ ‬أساسًا‭ ‬من‭ ‬النقل،‭ ‬بينما‭ ‬بقي‭ ‬أثر‭ ‬الفنادق‭ ‬ووكالات‭ ‬السفر‭ ‬والخدمات‭ ‬الأخرى‭ ‬أضعف‭. ‬هذه‭ ‬مفارقة‭ ‬دقيقة‭: ‬وصول‭ ‬الزائر‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬استفادة‭ ‬المجتمع‭ ‬فعليًّا‭.‬

وتقودنا‭ ‬هذه‭ ‬النقطة‭ ‬إلى‭ ‬درس‭ ‬يهم‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬مباشرة‭. ‬فالسياحة،‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬أُنفق‭ ‬على‭ ‬المطارات‭ ‬والفنادق‭ ‬والفعاليات،‭ ‬لا‭ ‬تصبح‭ ‬قطاعًا‭ ‬اقتصاديًّا‭ ‬ناضجًا‭ ‬بمجرد‭ ‬ارتفاع‭ ‬أعداد‭ ‬القادمين،‭ ‬بل‭ ‬عندما‭ ‬يتحول‭ ‬السائح‭ ‬إلى‭ ‬دورة‭ ‬قيمة‭ ‬داخلية‭: ‬وجبة‭ ‬في‭ ‬مطعم،‭ ‬وحجز‭ ‬لدى‭ ‬مرشد،‭ ‬ومشتريات‭ ‬من‭ ‬مشروع‭ ‬صغير،‭ ‬وصورة‭ ‬تذكارية‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬محملة‭ ‬بانطباع‭ ‬قابل‭ ‬للتكرار‭.‬

لذلك‭ ‬تبدو‭ ‬بروناي،‭ ‬رغم‭ ‬صغر‭ ‬حجمها،‭ ‬كأنها‭ ‬تقدم‭ ‬جوابًا‭ ‬عمليًّا‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭ ‬السياحة‭ ‬الهادئة؛‭ ‬فهذه‭ ‬التجربة‭ ‬لا‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬المعلم‭ ‬السياحي‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تنظيمه‭ ‬وتسويقه‭ ‬وربطه‭ ‬بالناس‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬النفط‭ ‬يمنح‭ ‬الدولة‭ ‬دخلاً‭ ‬سريعًا،‭ ‬فإن‭ ‬السياحة‭ ‬تمنح‭ ‬المجتمع‭ ‬دخلاً‭ ‬أوسع‭ ‬وأكثر‭ ‬التصاقًا‭ ‬بالحياة‭ ‬اليومية‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يتضح‭ ‬جوهر‭ ‬التجربة،‭ ‬فبروناي‭ ‬لا‭ ‬تطارد‭ ‬الزحام،‭ ‬بل‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬سائح‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬قيمة‭.‬

 

‭*‬صحافي‭ ‬وكاتب‭ ‬إندونيسي،‭ ‬مهتم‭ ‬بشؤون‭ ‬منطقة‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬كوالالمبور