رحلة الاستدامة في البحرين — الجزء الثالث

من حماية البيئة إلى التنمية المستدامة

| علي الأنصاري

الاستدامة لا تبدأ عندما تظهر التحديات،  بل عندما تصبح طريقة للتخطيط للمستقبل. في العقود الأولى من التنمية الحديثة، كان النجاح يُقاس بسرعة النمو، وحجم المشاريع، وتوسع المدن. لكن مع مرور الوقت، برز سؤال أكثر أهمية: كيف يمكن أن يستمر هذا النمو؟ فالتنمية التي تحقق نتائج اليوم، لكنها تستنزف الموارد أو تقلل من جودة الحياة غدًا، لا يمكن أن تكون تنمية مكتملة. هذا التحول في التفكير لم يكن حكرًا على دولة أو منطقة، بل أصبح توجهًا عالميًّا أعاد تعريف مفهوم التنمية. فلم يعد الهدف تحقيق النمو الاقتصادي فحسب، وإنما تحقيقه بطريقة تحافظ على البيئة، وتعزز رفاه المجتمع، وتضمن استدامة الفرص للأجيال القادمة. ومن هنا، بدأ مفهوم التنمية المستدامة يأخذ مكانه في السياسات الاقتصادية وخطط الحكومات حول العالم. وفي البحرين، جاء هذا التحول متوافقًا مع مسيرة الدولة في بناء اقتصاد أكثر تنوعًا واستعدادًا للمستقبل. فبعد عقود من التنمية التي رافقت اكتشاف النفط، لم يعد التركيز منصبًّا على التوسع الاقتصادي وحده، بل أصبح يشمل أيضًا كفاءة استخدام الموارد، وجودة الحياة، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواصلة النمو في عالم يشهد تغيرات متسارعة. وبدأت المملكة خلال هذه المرحلة في تعزيز التشريعات البيئية، وتطوير المؤسسات المعنية بحماية الموارد الطبيعية، وإطلاق مبادرات تهدف إلى رفع كفاءة استخدام الطاقة والمياه، والمحافظة على البيئة البحرية التي شكلت عبر التاريخ جزءًا أصيلًا من هوية البحرين واقتصادها. لكن التطور الأهم لم يكن في عدد المبادرات أو التشريعات، بل في تغير طريقة التفكير نفسها. فقد أصبحت الاستدامة إطارًا يوجّه عملية التنمية، بدلاً من أن تكون استجابة للتحديات البيئية بعد حدوثها. وأصبح نجاح أي مشروع لا يُقاس فقط بما يحققه من نتائج آنية، بل بما يضيفه من قيمة اقتصادية واجتماعية وبيئية على المدى الطويل. عندما أصبحت الاستدامة جزءًا من رؤية الدولة، لم تعد خيارًا تنمويًّا، بل أصبحت أسلوبًا في صناعة القرار. وجاء إطلاق رؤية البحرين الاقتصادية 2030 عام 2008 ليجسد هذا التحول بوضوح. فقد ارتكزت الرؤية على ثلاثة مبادئ رئيسة هي الاستدامة، والتنافسية، والعدالة، في رسالة واضحة مفادها أن التنمية الحقيقية لا تُقاس بسرعة الإنجاز فقط، بل بقدرتها على الاستمرار وتحقيق الازدهار للأجيال الحالية والمستقبلية. ومنذ ذلك الحين، اتسع مفهوم الاستدامة ليشمل مختلف القطاعات. فلم يعد الحديث مقتصرًا على حماية البيئة، بل أصبح يشمل تنويع الاقتصاد، وتعزيز الابتكار، وتحسين جودة الخدمات، ورفع كفاءة إدارة الموارد، وترسيخ مبادئ الحوكمة والشفافية. وأصبحت الاستدامة عنصرًا حاضرًا في التخطيط الاستراتيجي، وصنع السياسات، وتقييم أثر المبادرات التنموية. كما بدأ القطاع الخاص يواكب هذا التحول، مدركًا أن تحقيق النمو الاقتصادي لم يعد منفصلًا عن بناء مؤسسات أكثر مسؤولية وقدرة على إدارة المخاطر واغتنام الفرص. فالعالم يتغير، وأسواق اليوم أصبحت تمنح قيمة أكبر للشركات التي تنظر إلى المستقبل، وتدمج الاستدامة في طريقة إدارتها وأعمالها. وعندما ننظر إلى رحلة البحرين، نجد أن مفهوم الاستدامة لم يظهر فجأة، بل تطور مع تطور الدولة نفسها. فقد بدأ كممارسات فرضتها طبيعة الحياة، ثم أصبح وعيًا بيئيًّا مع التوسع الاقتصادي، قبل أن يتحول إلى ركيزة أساسية في الرؤية الوطنية، توجه القرارات وتحدد ملامح التنمية المستقبلية. لقد أثبتت التجربة أن الاستدامة ليست مرحلة من مراحل التنمية، بل هي المنهج الذي يضمن استمرارها. ومع ترسيخ هذا المفهوم في السياسات الوطنية، بدأت رحلة جديدة، انتقلت فيها الاستدامة من الخطط الحكومية إلى ممارسات القطاع الخاص والقطاع المالي، لتصبح جزءًا من القرارات الاستثمارية والاقتصادية اليومية. وهذا هو الفصل الذي سنستعرضه في المقال القادم.

 

‭* ‬رئيس‭ ‬الاستدامة‭ ‬في‭ ‬بنك‭ ‬البحرين‭ ‬والكويت