سقوط الأقنعة الرقمية: الرسالة الخاصة تتحول إلى بطاقة بريدية مفتوحة
| ياسر سليم
طوت “ميتا” مؤخرًا صفحة كاملة من تاريخ الخصوصية الرقمية بحاشية صغيرة نُشرت في صفحة المساعدة، أعلنت فيها توقف التشفير التام بين الطرفين على انستغرام. غاب البيان الرسمي المدوّي الذي كان يستقبل المستخدم عند دخوله التطبيق، وغابت معه الإشعارات البارزة؛ فقط سطور مقتضبة أخبرت المستخدمين أن الميزة التي كانت الشركة تصفها بعبارتها الشهيرة “لا أحد يقرأ رسائلك، ولا نحن أنفسنا”، انتهت صلاحيتها. جوهر التشفير الذاتي يقوم على مفتاح فريد يملكه طرفا الحوار وحدهما، فتصير الرسالة صدفة محكمة الإغلاق، وتتحول خوادم الشركة إلى ساعي بريد أعمى ينقل طرودا مختومة دون أن يعرف محتواها. أما اليوم فقد عاد انستغرام إلى “التشفير القياسي المستند إلى الخوادم”، الذي يحمي الرسالة أثناء عبورها الشبكة، لكنه يترك مفاتيح فك الشفرة في عهدة ميتا وحدها. بهذا صارت النصوص والصور والملفات عرضة للفحص والقراءة، بأمر قانوني أو بذريعة أمنية. اللافت أن هذه الميزة أُطلقت تجريبيًّا عام 2021 ضمن رؤية مارك زوكربيرج لخصوصية اجتماعية أوسع، غير أنها ظلت مطمورة خلف أربع خطوات تفعيل متاهية داخل إعدادات التطبيق، فلم يهتد إليها سوى قلة من الهواة والمختصين. جاء التبرير الرسمي بضعف الإقبال الجماهيري سببًا كافيًا لإنهائها، وهو تبرير يثير سخرية كثيرين ممن يرون أن دفن الميزة عمدًا في زوايا معتمة، ثم توظيف قلة استخدامها كحجة لإلغائها، أقرب إلى مفارقة منه إلى منطق سليم. وتبدو خيوط القصة أعقد من عبارة رسمية عابرة. فبعد أسابيع من الإعلان، دخل “قانون إزالة المحتوى فورًا” حيز التنفيذ في الولايات المتحدة، مُلزماً المنصات بحذف الصور الحميمية غير الرضائية، بما فيها المزيّفة بالذكاء الاصطناعي، خلال 48 ساعة من تلقي البلاغ. وتكمن المعضلة في استحالة الامتثال لأمر حذف محتوى داخل رسالة لا تملك الشركة مفتاحها أصلاً. من هنا يتضح أن هذا التراجع يندرج ضمن موجة تشريعات “الخروج من العتمة”، وضغوط متصاعدة من جهات إنفاذ القانون التي طالما اعتبرت التشفير الكامل ملاذاً آمناً للمجرمين والمبتزين، بل إن تقارير سابقة كشفت أن ميتا مضت في تطبيق التشفير عام 2019 رغم تحذيرات داخلية من أنه سيعرقل رصد مواد الاستغلال الجنسي للأطفال. للمشهد بعد تجاري موازٍ يستحق التوقف عنده: في التوقيت ذاته الذي جُرّد فيه انستغرام من درعه المجاني، راحت ميتا تُسوّق طبقات خصوصية مدفوعة، فيما يشبه نموذج “الخصوصية كرفاهية”، حيث يبقى المستخدم العادي مكشوفاً أمام محركات التحليل والإعلانات، بينما يدفع المشترك المميز ثمن استرداد جزء يسير من سرّيته. وزاد المشهد تعقيدا حين رفعت ولاية تكساس، عبر مدّعيها العام كين باكستون، دعوى قضائية ضد (ميتا) بعد أسبوعين فقط من هذا التحول، تتهمها فيها بتضليل المستخدمين حول حقيقة حماية بياناتهم، حتى على واتساب ذاته. أمام هذا الواقع، يصبح صندوق الرسائل في انستغرام أقرب إلى بطاقة بريدية مفتوحة النص من كونه خطابًا مختوماً بالشمع. وتبقى الخطوة العملية الأولى المبادرة إلى “مركز الحسابات” لتنزيل أرشيف المحادثات المشفرة القديمة قبل ضياعها نهائياً. أما الباحثون عن ملاذ رقمي أصيل، فيظل تطبيق “سيجنال” خيارهم الأنسب، لبنائه على بروتوكولات مفتوحة المصدر تمنع احتكار المفاتيح الأمنية على أي جهة، تجارية كانت أم حكومية. يبقى الدرس الأعمق أن الثقة المطلقة بالمنصات التجارية العملاقة رفاهية لم تعد الظروف الراهنة تحتملها؛ فحين يتنازل صانع المنتج طوعاً عن حصانة رسائلك، يصبح رسم حدود خصوصيتك بيدك أضعف الإيمان، قبل أن يتولى ذلك خوارزم لا يعرف الرحمة.
*كاتب مصري وخبير بالاقتصاد الرقمي