ملحمة الصمود... وطنٌ لن ينكسر
| إسحاق الكوهجي
هناك أيام تمر في حياة الأوطان فتسجلها الأخبار، وهناك أيام أعظم من ذلك تُكتب في القلوب قبل أن تُكتب في التاريخ. وما عاشته مملكة البحرين في تلك الظروف الاستثنائية لم يكن مجرد حدث عابر، بل كان ملحمة وطنية وإنسانية كشفت معادن الرجال، وأظهرت عمق الانتماء، وجعلت كل مواطن يكتشف من جديد مقدار الحب الذي يحمله لوطنه. لقد اعتدنا في البحرين، ولله الحمد، أن نعيش في ظل الأمن والاستقرار، حتى أصبحت مشاهد الحروب والتهديدات أمورًا نراها في أماكن بعيدة عنا. لكن حين دوّت صفارات الإنذار، وارتفعت درجات التأهب، وشعر الناس بأن الخطر بات قريبًا من أرضهم وبيوتهم وأسرهم، تبدلت المشاعر في لحظات، واكتشفنا جميعًا أن البحرين ليست مجرد وطن نعيش فيه، بل وطن يسكن فينا. في تلك الساعات، كان الأب قلقًا على أبنائه، وكانت الأم ترفع يديها بالدعاء، وكان الطفل يلتفت إلى والديه باحثًا عن الطمأنينة، وكان الجميع يلهجون بكلمات واحدة: “اللهم احفظ البحرين، اللهم احفظ أهلها، اللهم أدم عليها نعمة الأمن والأمان.” ولعل أعظم ما كشفته تلك الأيام أننا لم نكن نعيش حب الوطن فحسب، بل كنا نتعلمه من جديد. كنا نتجرع معانيه لحظة بلحظة، ونشعر بقيمته في كل خبر نسمعه، وفي كل دعوة نرفعها، وفي كل لحظة انتظار وترقب. عشنا الصمود جميعًا؛ الجندي في موقعه، والأم في بيتها، والطالب في مدرسته، والموظف في عمله، والمواطن الملتزم بالتوجيهات. كان كل بحريني يعيش دوره في هذه الملحمة الوطنية، ويشعر أنه جزء من مسؤولية أكبر من نفسه. وفي قلب هذا المشهد الوطني المهيب، كان حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، حاضرًا بقلب الأب وحكمة القائد. وتابع أحوال المواطنين، وتفقد الوحدات العسكرية والدفاعات الجوية، واطمأن على الجرحى والمصابين، وشد على أيدي رجال الواجب. ولم تكن متابعة وكلمات صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الموقر، حفظه الله ورعاه مجرد كلمات تُقال، بل كانت تبعث الطمأنينة في النفوس، وترفع المعنويات، وتؤكد للجميع أن الوطن بخير ما دام أبناؤه متكاتفين وقيادته قريبة منهم. كما تابع أبناء البحرين بافتخار جهود سمو الشيخ محمد بن عيسى آل خليفة رئيس الحرس الوطني، وهو يتفقد قواته ويتابع جاهزيتها، مؤمنًا بأن الدفاع عن الوطن أمانة وشرف. ورأوا المشير الركن الشيخ خليفة بن أحمد آل خليفة بين أبنائه في قوة الدفاع، يتابع الوحدات العسكرية ويعزز عزائم الرجال، كما شاهدوا وزير الداخلية الفريق أول الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة يقود الجهود الأمنية والميدانية بكل كفاءة واقتدار. وكانت تلك المشاهد مصدر فخر وطمأنينة لكل مواطن بحريني، لأنها جسدت وحدة الهدف وتكامل الأدوار في خدمة الوطن. أما رجال قوة دفاع البحرين والحرس الوطني ووزارة الداخلية والدفاع المدني وسائر الأجهزة الوطنية، فقد سطروا صفحات مشرقة من الإخلاص والوفاء. كانوا يقفون في مواقعهم بثبات وشجاعة، يسهرون على أمن الوطن بينما ينام الناس مطمئنين، ويقدمون مثالاً حيًّا لمعنى الواجب والانتماء. وأما أنا، فلن أنسى تلك اللحظة التي وقفت فيها أودع أبنائي وهم يتجهون إلى أداء واجبهم الوطني. كانت الحقائب على الأكتاف، وكانت الدموع تختبئ خلف الكلمات. قلت لهم: “يا أبنائي، هذه أرضكم، وهذه بيوتكم، وهذه ذكرياتكم ومستقبل أبنائكم، ولن يحميها بعد الله إلا أبناؤها المخلصون. ولو طُلب منا أنا وأمكم أن نقف معكم دفاعًا عنها لما تأخرنا لحظة واحدة”. فنظر إلي أحدهم بثبات وقال: “اطمئن يا والدي، البحرين تستحق منا كل شيء”. في تلك اللحظة شعرت أن الوطن ليس كلمة نرددها، بل نبض يسكن القلوب، وعهد نحمله في أعناقنا، وأمانة نورثها لأبنائنا جيلاً بعد جيل. وأدركت أن قوة البحرين لا تكمن في الإمكانات وحدها، بل في شعبها الوفي، وفي وحدته، وفي صدق انتمائه، وفي التفافه حول قيادته ووطنه. لقد خرجنا من تلك الأيام ونحن أكثر قربًا من البحرين، وأكثر تعلقًا بها، وأكثر فهمًا لمعنى الانتماء الحقيقي. وازداد حبنا لهذه الأرض الطيبة التي أعطتنا الكثير، وشعرنا بأن علاقتنا بها ليست علاقة مواطن بأرض فحسب، بل علاقة روح بوطن، وقلب ببيت، وذاكرة بتاريخ. لم نخرج من تلك الأيام كما دخلناها؛ خرجنا أكثر إيمانًا بوطننا، وأكثر قربًا من بعضنا، وأكثر يقينًا بأن البحرين ليست مجرد أرض تجمعنا، بل قلب واحد يجمع أبناءه. وعرفنا أن حب الوطن لا يُقاس بالكلمات التي نقولها في أوقات الرخاء، بل بالمواقف التي نعيشها في ساعات الشدة، حين يصبح الوطن أغلى من الخوف، وأكبر من القلق، وأقرب إلى الروح من أي شيء آخر. لقد علمتنا ملحمة الصمود أن الأوطان يحفظها الله ثم يحفظها الأوفياء، وأن النصر يبدأ من وحدة الصف، ومن صدق القلوب، ومن الإيمان بعدالة القضية وحب الأرض. وعلمتنا أن البحرين، كلما واجهت تحديًا، ازدادت قوة وتماسكًا وإشراقًا، لأن خلفها شعبًا مخلصًا وقيادة حكيمة ورجالاً أوفياء. وستبقى ملحمة الصمود صفحة مضيئة في تاريخ البحرين، لا لأنها روت قصة تحدٍ عابر، بل لأنها كشفت حجم المحبة التي يحملها أبناء هذا الوطن له، وأثبتت أن البحرين ليست مجرد أرض نعيش عليها، بل وطن نحيا له، ونفخر بالانتماء إليه، ونستمد منه قوتنا وهويتنا وكرامتنا. حفظ الله مملكة البحرين، هذه الأرض العزيزة التي أحببناها أكثر في زمن الشدة، وأدام عليها نعمة الأمن والأمان والاستقرار، وحفظ قائدها حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة المعظم، وسدد خطى رجالاتها المخلصين، وأبقى شعبها الوفي مثالاً في الشرف والولاء والانتماء. فالتاريخ لا ينسى الأوفياء، والأوطان لا تنسى أبناءها الصادقين، والبحرين ستبقى بإذن الله شامخةً بعزيمة رجالها، وحب شعبها، ووحدة قلوب أبنائها.