هل يتحول الشرق الأوسط إلى مسرح عملياتي للحرب العالمية الثالثة بين روسيا والغرب؟
| محمد طلعت عبدالعزيز
لم يعد سؤال الحرب العالمية الثالثة تمرينًا نظريًّا في مراكز الدراسات، بل أصبح احتمالًا استراتيجيًّا مشروطًا بتراكم ثلاث معادلات متزامنة: عسكرة أوروبا، قفزة التسلح الروسية، وتحول الشرق الأوسط إلى خزان الطاقة والممرات البحرية والسيولة السياسية لإدارة أي صدام عالمي ممتد. فالحرب الكبرى المقبلة، إن وقعت، لن تُدار بالوسائل الكلاسيكية، بل هي في جوهرها حرب إعادة كتابة للنظام الدولي، حيث تبحث القوى الصاعدة والمهيمنة عن رسم خرائط نفوذ جديدة تتجاوز القطبية الثنائية. وتُدار هذه المواجهة عبر خنق الطاقة، وتعطيل الممرات، وتسعير التأمين البحري، وإعادة توزيع الدول بين معسكرات حماية ومعسكرات ضغط، بما يجعل المنطقة العربية أقرب إلى مسرح وصاية عملياتية منها إلى ساحة حرب تقليدية مباشرة. تاريخيًّا، لم تنظر روسيا إلى أمنها من خلال حدودها السياسية وحدها، بل من خلال عمقها الجغرافي ومناطقها العازلة؛ إذ تشكّل في عقلها الاستراتيجي منذ غزو نابليون إلى الهجوم النازي أن الاقتراب العسكري من قلبها تهديد وجود حتمي. وهذا ما أكده جورج كينان عام 1997 بأن توسيع الناتو شرقًا خطأ يعيد إنتاج الحصار، ورآه هنري كيسنجر في وجوب بقاء أوكرانيا جسرًا لا رأس حربة، وحذر منه جون ميرشايمر كصدام حتمي مع المجال الأطلسي، ودعمته برقية ويليام بيرنز عام 2008 بأن إدخال أوكرانيا للناتو خط روسي أحمر عميق لن يقبل التفاوض.
وهنا تبرز خارطة المصالح (Interest Mapping) وحوافز القوى (Power Incentives) للمستفيدين استراتيجيًّا (Strategic Beneficiaries). وفي هذا السياق، يُقرأ التحليل السيكو استراتيجي لتصريحات الرئيس فلاديمير بوتين أمام خريجي الأكاديميات العسكرية باعتباره إعلانًا عن تحول الجبهة الأوكرانية إلى مختبر صناعي عسكري مفتوح؛ حيث أعلن الكرملين عن نجاح اختبار أكثر من ألف سلاح ومنظومة معدة في ظروف قتالية حقيقية (شملت مسيّرات متطورة وذخائر وأنظمة توجيه ذاتي)، ما يعني إعادة بناء العقيدة القتالية الروسية وفق خبرة ميدانية مستمرة، وإرسال رسالة مفخخة بأن زمن التفوق التقني الغربي الأحادي قد انتهى، وأن اقتصاد الحرب الروسي يتكيف بأسرع مما توقعه خصومه. وتُشير الشواهد إلى أن عددًا من هذه الأدوات قد تم اختباره مسبقًا في مواجهات إقليمية وحقق نجاحات حاسمة جعلتها أوراق ضغط لفرض شروط التفاوض السيادي. غير أن الحرب الكبرى المرتقبة لن تبدأ بصورةٍ نوويةٍ شاملة، بل عبر تصعيد متعدد الطبقات ينطلق من ضرب العمق الروسي أو القواعد اللوجستية الأوروبية، لينتقل سريعًا إلى حرب رمادية تعتمد المبادأة غير المتناظرة دون عتبة الحرب. حيث يتم من خلالها إيلام الخصم واستهداف كابلات الإنترنت البحرية، وموانئ الطاقة، وشبكات الاتصالات، والأقمار الصناعية دون إعلان المسؤولية المباشرة، مع الحفاظ على الإنكار السياسي. كل هذا سيؤدي حتمًا إلى تعاظم هذا الخطر بدخول الذكاء الاصطناعي العسكري عبر القيادة الخوارزمية والأسراب الذاتية والتوجيه التنبؤي، الأمر الذي سيؤدي إلى تآكل الثقة الداخلية لدى المجتمعات الأوروبية في قدرة حكوماتها على حماية أمنها المعيشي، ما سيدفع الشعوب نحو صدامات داخلية علنية. وفي هذا السياق، يتشكل مفهوم اقتصاد الوصاية العالمية Global Guardianship Economy، حيث يتحول الأمن إلى سلعة وتصبح الحماية سوقًا دولية تشتري فيها الدول بقاءها بالتنازلات الجيوسياسية المقبولة وغير المقبولة أحيانًا. وفي هذه اللحظة سيأتي دور الشرق الأوسط باعتباره مِقْوَد الكَبْح الجيواستراتيجي الشامل للاقتصاد الحربي العالمي؛ فنفط مضيق هرمز (20.9 مليون برميل يوميًا في أوائل 2025)، وغاز قناة السويس وخط سوميد (4.9 ملايين برميل)، وباب المندب (4.2 ملايين برميل)، كل هذه المؤشرات الحيوية الاستراتيجية تحوّل المنطقة من مجرد فضاء جغرافي استراتيجي أو مرتكز جيوسياسي حاكم إلى مفاتيح عالمية لتسعير الحرب والسلام، خصوصا مع تزايد أهمية تدفق المعادن النادرة Rare Earth Elements والشرائح الإلكترونية اللازمة للصناعات العسكرية الحديثة. وما تقدم كله كان سيناريو تمهيد الحرب والخطوات الاستباقية لإقحام منظومة دول مجلس التعاون فيها حيث ستتحدد أدوار الدول ومنظوماتها الاستراتيجية وفق مربع المستويات الاستراتيجية... من سيقود، من سيقاتل.. فالسعودية ستكون قلب التوازن الطاقوي والتمويلي العالمي والقدرة على إعادة تسعير المخاطر ضمن معادلة أوبك بلس وإدارة القرار المالي وإعادة البناء. أما مصر: ستكون عقدة العبور والقتال الدفاعي الاستراتيجي لحماية الممرات وقناة السويس والغاز شرق المتوسط. في الوقت الذي ستشكل فيه العراق: الساحة الأكثر حساسية وتحملًا للعبء الميداني بسبب تقاطعات النفوذ الإقليمي والدولي واشتعال بيئته النفطية. أما منظومة دول مجلس التعاون الخليجي ستكون رمانة ميزان السيولة والغاز والموانئ وإدارة التسويات الكبرى. وفي المقابل، ستشكل إيران العقدة الجيوسياسية الأكثر تعقيدًا بإشرافها على هرمز وشبكة نفوذها – عملائها - الإقليمي الممتد وعلاقتها المتقدمة مع موسكو وبكين؛ لذا فإن أي تفاوض غربي معها يتجاوز الملف النووي ليكون – في الأساس - محاولة استراتيجية استخباراتية بامتياز لمنع التحامها الكامل بالمحور الروسي الصيني القادر على استخدام مضائق المنطقة كورقة خنق استراتيجي ضد أوروبا، حيث أصبحت الطاقة لغة التفاوض السيادية الأولى. وسيظهر الحوثيون كنموذج يوضح كيفية تحويل الفاعل غير الدولي إلى أداة تعطيل عالمية؛ إذ يكفي تهديدهم المتقطع لرفع كلفة التأمين وتحويل حركة الملاحة نحو رأس الرجاء الصالح (حيث انخفض متوسط العبور في باب المندب بحلول مارس 2026 إلى 1034 رحلة مقارنة بأكثر من 2000 قبل الأزمة)، ما يثبت أن الحرب غير المتناظرة قادرة على تغيير خريطة التجارة بأدوات منخفضة التكلفة، ودفع الأصول الجيوسياسية لتُتداول في ما يشبه بورصة الأمن الدولي International Security Exchange حيث تُقايض الممرات والقواعد بحجم النفوذ والعقوبات. وفي هذه الساحة أيضًا ستبرز أهمية دول مثل الهند وتركيا وباكستان كقوى ترجيح بيضة القبان؛ فالهند تسعى لتعظيم مكاسبها الاقتصادية واستقلال قرارها، وتركيا تناور استثنائيًا بموقعها بين البحر الأسود والناتو والشرق الأوسط، بينما تظل باكستان بقدراتها النووية عنصرًا حاسمًا في استقرار جنوب آسيا. وبهذا السيناريو المتشابك يصبح العالم خارطة نانواستراتيجية مترابطة من مراكز الثقل المتعددة، لا معسكرين متواجهين كما في الحرب الباردة. أمام هذا المشهد، لن تحتاج الصين وروسيا إلى إغلاق الطاقة عن أوروبا ميكانيكيًا، بل يكفي هندسة مَحْرَقَة الإنهاك الاستراتيجي الشامل؛ فروسيا تضغط بالغاز والنفط والحبوب، والصين بسلاسل الإمداد والمعادن النادرة، وإيران والحوثيون بالمضائق، وكوريا الشمالية برفع التوتر في شرق آسيا بإرسال آلاف الجنود للجبهة الروسية بموجب معاهدة الدفاع المتبادل معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الاتحاد الروسي وجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية (Treaty on Comprehensive Strategic Partnership).. هكذا ستواجه أوروبا: طاقة أغلى، تأمينا أعلى، دفاعا مكلفا، ورأيا عاما مرهقا، بالتزامن مع اختبار الصين حدود الردع في تايوان وبحر الصين الجنوبي. واستنادًا لهذا التأصيل الجيوعسكري، فإن الحل العربي يكمن في تبني حياد مسلح متعدد التموضع يقوم على خمس حتميات عقائدية حاسمة وهي تنسيق عربي سيادي لأمن الطاقة والشرائح الحيوية. غرفة إنذار مبكر وإدارة مشتركة للممرات البحرية. احتياطات استراتيجية موحدة للغذاء والوقود والدواء والمعادن الصانعة. تفاهم خليجي مصري عراقي حول آليات الطوارئ وتوزيع أدوار التمويل والدفاع والإعمار. وأخيرًا آلية تفاوض جماعي تمنع تدويل الممرات العربية تحت ذريعة الحماية. في الختام، لنا كلمة، إن الحرب العالمية الثالثة ليست قدرًا محتومًا، لكنها لم تعد سيناريو خيال علمي في المعامل السيبرانية. وسيبقى السؤال الأخطر ليس: هل ستأتي الحرب إلى الشرق الأوسط؟ بل: بأية صيغة سيدخل الشرق الأوسط الحرب هذه المرة؟ هل سيدخلها كخزان طاقةٍ وممراتٍ وسيولةٍ تحت الوصاية؟ أم ككتلة توازن تمتلك قرارها وتحمي مواردها وممراتها؟ ففي حروب الوصاية الكبرى لا تنتصر الجيوش وحدها؛ بل ينتصر من يملك الطاقات، والممرات، والمعلومات، والتوازنات، والقدرة على تسعير الأمن الدولي قبل أن يُسعّره الآخرون نيابة عنه.
كاتب بحريني