من حلمٍ إلى مشروعٍ وطني

| د. نجيب الغربال

كثيرًا ما ينصرف الاهتمام إلى النتائج النهائية للمشروعات التعليمية، بينما تبقى المراحل التي سبقتها بعيدة عن الأنظار. فالطالب يرى قاعة الدراسة، وولي الأمر يرى نتيجة القبول، أما ما يسبق ذلك من تخطيط، وبناء للقدرات، واستيفاء للمعايير، فهو الجزء الذي يحدد في الغالب نجاح المشروع أو تعثره. ولعل مشروع البكالوريا الدولية في المدارس الحكومية يقدم مثالاً واضحًا على هذه المعادلة. وخلال اللقاء الوطني مع أولياء أمور الطلبة المقبولين في برنامج البكالوريا الدولية، الذي عقدته وزارة التربية والتعليم يوم 21 يونيو 2026، برزت فكرة استوقفتني أكثر من أي تفصيل آخر. فلم يبدأ وزير التربية والتعليم حديثه بالبرنامج أو بمكانته العالمية، إنما قال إنه كان حلمًا، وفي الوقت نفسه تحديًا. وقد تبدو هذه العبارة للوهلة الأولى وصفًا عابرًا، لكنها تختصر في الحقيقة رحلة أي مشروع ناجح؛ فالأحلام وحدها لا تصنع واقعًا، كما أن التحديات وحدها لا توقف مشروعًا يمتلك رؤية واضحة. وما بين الحلم والتنفيذ كانت هناك رحلة من التنسيق مع منظمة البكالوريا الدولية، وإعداد وثيقة متكاملة، واستيفاء المتطلبات الأكاديمية، والإدارية، واللوجستية، والبشرية قبل الوصول إلى مرحلة التطبيق. وهذه التفاصيل قد لا يراها الطالب وهو يجلس في مقعده الدراسي، لكنها هي التي تحدد في النهاية جودة التجربة وفرص نجاحها. ومن التفاصيل التي تستحق التوقف عندها أن اختيار الطلبة لم يكن قائمًا على التفوق الدراسي وحده، بل مر بسلسلة من الاختبارات في اللغة الإنجليزية، والرياضيات، والعلوم، إلى جانب المقابلة الشخصية والسجل الأكاديمي. وهذا يعكس أن الهدف لم يكن شغل المقاعد المتاحة، إنما اختيار الطلبة الأكثر استعدادًا لخوض تجربة تعليمية مختلفة، وهو ما يعزز فرص نجاح المشروع منذ مراحله الأولى.  

كما أن البرنامج لن يبدأ مباشرة بمرحلة البكالوريا الدولية في التعليم الثانوي، بل يسبقه برنامج السنوات المتوسطة (الإعدادي) بوصفه مرحلة انتقالية تؤهل الطلبة لهذا المسار. وقد تبدو هذه مجرد خطوة تنظيمية، إلا أنها تعكس مبدأً مهمًّا في إدارة التغيير؛ فبناء القدرات لا يتم بالقفز بين المراحل، إنما بالتدرج. وكثير من المبادرات تتعثر لأنها تبدأ من النهاية، بينما تبدأ التجارب الناجحة من تأسيس القاعدة التي تحمل المشروع لسنوات طويلة. وعند النظر إلى المشروع من زاوية أوسع، يصبح من السهل ملاحظة اتساقه مع رؤية البحرين الاقتصادية 2030، التي جعلت الاستثمار في الإنسان أحد أهم مرتكزات التنمية الوطنية. كما ينسجم مع تطلعات البحرين نحو عام 2050، التي تتطلب بناء أجيال  تمتلك القدرة على التفكير النقدي، والتعلم المستمر، والتكيف مع التحولات المتسارعة في التكنولوجيا والاقتصاد وسوق العمل. فالمنافسة في المستقبل لن تقوم على امتلاك المعلومات بقدر ما ستقوم على القدرة على توظيفها، وتحليلها، وتحويلها إلى قيمة مضافة، وهو ما يجعل الاستثمار في التعليم النوعي استثمارًا في مستقبل الوطن قبل أن يكون استثمارًا في الحاضر. ولا يقتصر هذا الاتساق على التوجهات الوطنية، بل يمتد أيضًا إلى أهداف التنمية المستدامة، وفي مقدمتها الهدف الرابع المتعلق بالتعليم الجيد، إلى جانب ما يرتبط به من أهداف تعزز الابتكار، والنمو الاقتصادي، وبناء الشراكات. وعندما تتقاطع المبادرات الوطنية مع هذه الأهداف، فإن التعليم يتحول من خدمة أساسية إلى محرك رئيس للتنمية، قادر على إعداد الإنسان الذي سيقود الاقتصاد والمجتمع في العقود القادمة. ومن الرسائل التي بدت واضحة في حديثه دعوته إلى أولياء الأمور لمواصلة دعم أبنائهم، والتحلي بالواقعية في توقعاتهم. وهذه رسالة لا تقل أهمية عن البرنامج نفسه؛ لأن نجاح أي مشروع تعليمي لا يعتمد على المدرسة وحدها، ولا على الطالب وحده، إنما على شراكة متوازنة بين وزارة التربية والتعليم، والأسرة، والطالب. فكلما ارتفع مستوى البرنامج، ازدادت الحاجة إلى بيئة داعمة تدرك أن بناء القدرات عملية تراكمية، وأن النتائج الكبيرة تحتاج إلى وقت، وصبر، واستمرارية. في تقديري، لا تكمن أهمية مشروع البكالوريا الدولية في كونه برنامجًا عالميًّا فحسب، بل في المنهجية التي سبقته. فالتجارب الناجحة لا تبدأ عندما يجلس أول طالب في الفصل، إنما عندما تكتمل عناصر الجاهزية قبل ذلك بوقت كافٍ. وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من هذه التجربة؛ فالمشروعات الوطنية لا تُقاس بحجم الإعلان عنها، بل بقدرتها على الانتقال من فكرة طموحة إلى واقع منظم، وهو ما يتطلب رؤية واضحة، ومؤسسات تمتلك القدرة على التخطيط والتنفيذ، ودعمًا حكوميًّا يهيئ البيئة المناسبة لتحويل المبادرات النوعية إلى مشروعات وطنية مستدامة. وعندما تجتمع هذه العناصر مع رؤية البحرين الاقتصادية 2030، وتواكب تطلعات البحرين نحو عام 2050، وتتوافق مع أهداف التنمية المستدامة، يصبح التعليم أكثر من مجرد قطاع خدمي، بل استثمار طويل الأجل في الإنسان، والاقتصاد، ومستقبل البحرين.

كاتب وأكاديمي بحريني