خربشة ومغزى.. الأسماء والصفات ،، إدراك وإحساس جلال الخالق"
| أحمد عبدالله الحسين
تمهيد هناك شغف غريزي بشري مركوز في أعماق النفس إلى معرفة الله واسماءه وصفاته، وعقل الإنسان دال في ذلك العلم إذا تفكَّر وتدبَّر في كلّ ما يحيط به؛ كون بديع مُحكم واسع بنيان وجبال وسهول ووديان وزرع وشجر وزهر وثمر وحيوان وإعجاز خلقه إنسان وأرض وما فيها وسماء ونجومها ودابّ وما صغر منها وبحار وأنهار وما في باطنها وفيافي وقِفار وأمتدادها ونواميس تجري لا منتهى لها هكذا تبصّر يُنير قلب، ويتجلّى فيه إدراك عظمة البارئ عزوجل، وهذا قطرة في بحر، وشربة من نهر دالّة على أسماء وصفات ربّ الأرض والسماوات، الذي هو غيب لا يُرى في الحياة الدنيا إنما وصفُه أتى في وحي قرآن منصوص، ورُّسُل بعثهم تحدَّثوا عنه سبحانه أنه؛ واحدٌ أحدٌ، فردٌ صَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ.
معرفة الأسماء والصفات تُهزّ نفس وتُخضِع أعناق، وتُخشِع أصوات، وتُذوّب كِبر، وتفتح لباب عقل، وتُزيل درن ورجس وفُحش، وتطرد خمول وزلل، وهي مفتاح باب من أراد هداية؛ وهُوَ العَظِيمُ بِكُلِ مَعنًى يُوجِبُ التَّعظِيمَ لَا يُحصِيهِ مِن إنسَان وهي تُنبِت في القلب محبّة البارئ، ونطقها في آي متلو لذة لقارئ وسامع.
عدد الأسماء والصفات المعروف في المرويات أن لله تسعة وتسعين أسما، وكذلك ذهب جمهور العلماء إلى أنها أكثر من ذلك حسب الحديث الشريف؛"أسألُك اللهمَّ بكلِّ اسمٍ هو لك سمَّيت به نفسَك، أو أنزلتَه في كتابِك، أو علَّمتَه أحدًا من خلقِك، أو استأثرتَ به في علمِ الغيبِ عندَك". وهذا فيه دليل بيان أن أسماءه عزوجل منها ما أنزل الله في كتابه، وما علّمه بعض خلقه دون بعض مثلا ما خص به ملائكة دون بني آدم، وكذلك ما اِستأثر به في علم الغيب عنده لا يطلع عليه أحد. قال أبو بكر بن العربي في مؤلفه أحكام القرآن؛ أخفيت هذه الأسماء المتعددة في جملة الأسماء الكلية، لندعوه بجميعها، فتصيب العدد الموعود به فيها. وهنالك ملمح ذكره أهل العلم أنه لا يجوز أن يُشتقَّ لله أسماء من أفعاله التي وردت في الكتاب والسنة فلا يُقال من أسمائه المطعم، المسقي، القاضي، المؤيد، تأويلاً لبعض آيات قرانية مثل "وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ"، أو"وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ".
أقسام الأسماء والصفات هي أربعة أقسام؛ الأسم العلم وهو الله وهو متضمن لجميع معاني الأسماء الحسنى، وأُخرى الأسماء الدالّة على الصفات الثابتة لذات الحق تبارك وتعالى كالسميع والبصير والعليم والرحمن والودود، وكذلك الأسماء الدالّة على صفات الأفعال كالرازق والمحيي والمميت، والقسم الرابع الأسماء الدالّة على صفات التنزيه والتقديس كالقّدوس والسّلام والعليّ.
ملمح ودلالة مختاره في الأسماء والصفات "الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" الرحمن يتعلق بالصفة القائمة بالذات، والرحيم يتعلق بإيصال الرحمة إلى الخلق، ولهذا الرحمن دلالته على الصفة القائمة بالرب، والرحيم دلالته على فعله سبحانه وتعالى، وهو إيصال الرحمة، ودليل ذلك أنه سبحانه وتعالى قال: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً}، فلما ذكر إيصال الرحمة ذكر هذا الاسم وهو الرحيم، ولما ذكر المؤمنين قال: {إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} ، فأثبت الرحمة التي تصل لعباده. ومزيد بيان أن الرحمن في الاشتقاق اللغوي هو على وزن فعلان، ويدل على كثرة الرحمة وسعتها، والرحيم على وزن فعيل أي فاعل راحم التي تدل على كثرة رحمة الله عز وجل، وإن كان أسم الرحمن أبلغ وأوضح في كثرة الرحمة. "التوَّابُ" معناها أن الله يتوب على عبدِه، ويقبل توبته، وكُلَّما تكرَّرت التوبة تكرَّر القبولُ، تاب اللهُ على العبدِ بمعنى؛ وفَّقه للتَّوبةِ فتاب العبدُ، كقَولِه تعالى: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا}، ومعنى التوبةِ؛ عَودُ العبدِ إلى الطَّاعةِ بعد المعصيةِ. "الجَبَّارِ" صِفةٌ ذاتيَّة فِعْليَّة للهِ عزَّ وجلَّ، واسمٌ له سبحانه وتعالى، وتعني أنه مصلِحَ أمورَ خَلْقِه، ومُصَرِّفَ فيما فيه صلاحُهم، وجابِر قُلوبِ منكسِرة، وساند ضَّعيفِ عاجِزِ لاذ به ولاجئ إليه.
هذا غيض من فيض، وغريف من غزير في علم مذكور عن أسماء الله وصفاته. طوبى من تدبّر معانيها، وآمن وانشرح صدره لها. سكينة فيها تغمره، وحفظ البارئ في ذِكرها يكلؤه، ويستر عورته، ويُجيب الله الداعي بها تضرَّعه، ولا يغفل عن نصرته من مصارع سوء، وإن أمهل فهو لا يهمله. سواء في دنياه، أو حفظها لأُخراه، وفي ذلك حكمة ابتلاء. الأسماء والصفات لها لزوم إيمان، ويقين متين صوّان من مِحن وفِتْن، وغَلَبَةُ أَيَّام تَهِنْ.