ثروة إندونيسيا في يد “دانانتارا”
| عبدالله بوقس
في إندونيسيا يظهر اسم “Danantara” بوصفه واحدا من أهم المشاريع الاقتصادية الجديدة. ولمن لا يعرفه، فإن “دانانتارا” ليس شركة عادية، بل وكالة حكومية كبيرة تشبه الصناديق السيادية، مهمتها إدارة جزء من أصول الدولة واستثماراتها، خصوصا الشركات المملوكة للحكومة. الفكرة ببساطة أن إندونيسيا تريد أن تجمع ثروتها المتفرقة في يد أكثر تنظيما، حتى تستفيد منها بصورة أفضل في التنمية، والصناعة، وخلق الوظائف. تنبع أهمية المشروع من واقع إندونيسيا بوصفها أكبر اقتصاد في جنوب شرق آسيا، بسكان يتجاوزون 270 مليون نسمة وموارد طبيعية وموقع بحري استراتيجي. لكن الثروة لا تصنع نهضة إذا بقيت مبعثرة، وكثرة الشركات الحكومية لا تضمن الكفاءة، ما يجعل تنظيم الأصول وإدارتها شرطا لتحويل الإمكانات إلى تنمية فعلية، بدلا من أن تظل الموارد أرقاما كبيرة بلا أثر اقتصادي واضح ومستدام. من هنا جاء دمج سبع شركات لوجستية حكومية تحت مظلة “دانانتارا”، فاللوجستيات، من النقل والموانئ إلى التخزين وتوصيل البضائع بين الجزر، ليست مسألة فنية بعيدة عن الناس. في بلد أرخبيلي كإندونيسيا، ترتفع أسعار الغذاء والدواء مع كلفة النقل، ولذلك فإن إصلاح هذا القطاع قد يحسن أرباح الشركات، ويجعل حياة المواطنين أسهل، ويقرّب الأسواق النائية من مراكز الإنتاج والاستهلاك، بما يخفف الفوارق بين المناطق أيضا. لكن التجربة لا تخلو من أسئلة مشروعة، فالحكومة تريد أيضا أن تجعل بعض صادرات الموارد الطبيعية، مثل الفحم وزيت النخيل وبعض المعادن، تمر عبر آلية أكثر رقابة تحت إشراف “دانانتارا”. والهدف المعلن هو منع التلاعب في الأسعار والفواتير، وضمان بقاء جزء أكبر من عوائد التصدير داخل البلاد، غير أن القطاع الخاص يخشى أن تتحول الرقابة إلى تعقيد، وأن تصبح الدولة لاعبا وحَكَما في الوقت نفسه. وهذا هو جوهر الاختبار، فإذا نجحت “دانانتارا” في تحسين الإدارة، وخفض الهدر، وزيادة الشفافية، فقد تتحول إلى نموذج آسيوي جديد في إدارة الثروة الوطنية. أما إذا غلبت عليها البيروقراطية وضعف الوضوح، فقد تصبح عبئا جديدا فوق أعباء قديمة. وتهم هذه التجربة دول الخليج لأنها تعرف معنى الصناديق السيادية وإدارة الثروة، لكن الفارق أن إندونيسيا تقدم درسا آخر: كيف يمكن للدولة أن تستخدم أصولها ليس فقط للاستثمار في الخارج، بل لإصلاح الداخل أيضا. وهذا يفتح أمام الخليج فرصا للتعاون في الموانئ، والغذاء، والطاقة، والتمويل، والصناعات التحويلية. في النهاية، تقول تجربة “دانانتارا” إن الثروة لا تكفي إذا لم تُدر بعقل، وإن السوق لا يزدهر إذا غابت عنه الثقة. وبين يد الدولة وحيوية القطاع الخاص تبحث إندونيسيا عن توازن صعب، لكنه ضروري. ومن يقرأ هذا التحول من الخليج سيدرك أن جنوب شرق آسيا لم تعد مجرد منطقة بعيدة، بل مختبر اقتصادي مهم لفهم عالم يتغير بهدوء، ولكن بسرعة.
*صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور